النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥ملامح فقه البغي عند الإباضية بين التنظير والتطبيق
د. أحمد بن يحيى بن
أحمد الكندي
225
يقول العلامة الدرجيني: وحدث بعض أصحابنا أن شيخاً من شيوخ القيروان بعث ابناً له يرتاد مزرعة كانت له بالقرب من منزل عسكر أبي الخطاب»، فقال: «يا بني، اذهب وانظر هل بقي في مزرعتنا شيء؟». قال: فخرج الغلام إلى المزرعة فوجدها سالمة لم ينلها فساد، فرجع الغلام إلى أبيه فأخبره، فتعجب لذلك، وعجب الناس لعدل أبي الخطاب وسيرته وطاعة أصحابه له في ما يأمرهم به، وينهاهم عنه، وكان من مقالة الشيخ المذكور إذ ذاك لمن حضره من أهل القيروان: «أتظنون أن أبا الخطاب يشبه من ولي عليكم قبله ديناً وفضلاً؟ وأن سيرتهم كسيرته حسناً وعدلاً؟ كلا والله، أين مثل أبي الخطاب في سيرته وعدله وفضله؟».
ثم يقول العلامة الدرجيني: وبلغنا أن امرأتين قد خرجتا من القيروان حين فتحها الله لأبي الخطاب بعد هزيمة أهلها، فنظرت إحداهما إلى القتلى مزملين في ثيابهم كأنهم رقود، فقالت لصاحبتها: «انظري إليهم كأنهم رقود»؛ فسمي ذلك الموضع «رقادة» إلى اليوم»، ثم يقول بعد
ذلك: «ولما دخل أبو الخطاب المدينة أمر أهل المدينة أن يخرجوا إلى قتلاهم ليدفنوهم».
ويكشف لنا الدرجيني عن موقف عظيم للإمام أبي الخطاب حين اكتشف أن أحداً من جند عدوه القتلى قد نزع وأُخِذَ سلبه، فغضب من ذلك وضاقت الدنيا عليه بما رحبت لهذا التصرف المخالف لدين الله، يقول الدرجيني: «وقد أمر أبو الخطاب من يتفق القتلى، فوجد قتيلاً واحداً منهم مسلوباً، وأمر منادياً ينادي في عسكره: من نزع عن أحد من القتلى شيئاً فليردده»، فلم يرد أحد شيئاً، فعلم أن سالبه عمل غير صالح، فلما آيس من رد سلب القتيل المذكور طوعاً ومخافة من عقاب الله تعالى، دعا أبو الخطاب ربه وعمل أن يفضحه ويظهره على أعين الناس، فأمر أبو الخطاب فرساناً من عسكره بأن يخرجوا ويجروا خيلهم بين يديه، وكان فيهم رجل فارس من سدراته، فلما أجريت الخيل انقطع حزام سرج السدراتي، فوجد كساء سفسارية تحت سرجه، فسقطت الكساء على أعين الناس، وقيل: بل كان جبة حرير»، ثم يقول بعد ذلك: كل ذلك من الكرامات، فأخذه الإمام رحمة الله وعزره حسب ما اقتضاه الاجتهاد» (3).
ثم يقول العلامة الدرجيني: وبلغنا أن أبا الخطاب لا والله لما هزمهم أحسن فيهم السيرة، وأمر أصحابه ألا يتبعوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح، فقال رجل من لواتة من معسكر أبي الخطاب يقال له خالد: «نأكل من أموالهم كما يأكلون أموالنا، ويعتقدون أنها غنيمة أحلت لهم؟»، فقال أبو الخطاب رحمه الله: «إن فعلنا كما فعلوا فحق على الله أن يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم، فنكون كما
(1) الدرجيني أحمد بن سعيد طبقات المشايخ بالمغرب، 22/ 1 - 23.
(2) المرجع السابق نفسه. (3) المرجع السابق نفسه.