النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

ملامح فقه البغي عند الإباضية بين التنظير والتطبيق

د. أحمد بن يحيى بن

أحمد الكندي

227

ولربما وجد مسوغ لمعاقبة البغاة مثلاً لكسر شوكتهم بحرق بعض ممتلكاتهم ومنازلهم؛ وقد حدث مثل ذلك في عهد الإمام غسان مع منازل بني الجلندى، لكنه أجرى نقاشاً حاداً بين العلماء بين مصوب ومخطئ؛ كل ذلك طلباً للحق، وللسلامة في السيرة، قال الشيخ خميس بن راشد العبري في مسألة هدم محل أهل البغي: «أن يكون موضعاً يسكنه أهل البغي؛ فجائز هدمه، ولا يجوز تجديده في ذلك الحين، على ما قال أبو المؤثر في أهل البغي، ويكون هناك منازل قد تعود أهل المعاصي فيها انتهاك المعاصي، ولا سبيل على امتناعهم إلا بهدمها؛ فهذا جائز على ما قال أبو الحواري في منازل بني الجلندى، وهدمها الإمام غسان عند ذلك، والله أعلم، إلا أن يكون ثم مخافة على أهل الإسلام والدين، ورأي الإمام في رأي العلماء الصالحين الإمساك عن شيء يوجبه نظر هؤلاء؛ فحينئذ حصل العذر وجاز النظر.

خاتمة البحث:

لا يفوتنا في ختام هذا البحث التأكيد على النتائج الآتية:

تطور مصطلح البغي عبر الزمن وصولاً إلى التعريف الجامع عند العلامة الرقيشي، وأن البغي

هو: الاستطالة من العقلاء على طريقة الحق.

تميز مفهوم البغي عند الإباضية بالشمول والسعة، بينما انحصرت تعريفات غير الإباضية على جانب من جوانب البغي، إذ دارت جلّها على صورة من صور البغي، وهو الخروج على إمام العدل. دقة علماء الإباضية في توصيف حالة البغي؛ فالبغي لا يثبت شرعاً إلا بتحقق أوصاف معينة يصح بها وصف المتصف بها بالبغي.

تجنب الفكر الإباضي الربط بين البغي ومصطلح الخوارج، بينما وقع غيرهم في ذلك، ولا شك أن في إطلاق مصطلح الخوارج على أهل النهروان والمحكمة مغالطة تاريخية تتجلى حال الموضوعية في البحث بعيداً عن الهوى والتعصب.

يقوم منهج التعامل مع البغاة في الفقه الإباضي على الحكمة والتحرز في الدين؛ ومن ذلك إقامة الحجة عليهم بإظهار وجه بغيهم، وتقديم النصيحة لهم بالعدول عن طريق البغي، ثم قتال أهل البغي وهو واجب، لكن حكم قتال الباغي ودفعه إنما يكون وفق نوع بغيه؛ فقد فرق العلماء بين البغي في المال أو النفس.

(1) خميس بن راشد بن سعيد العبري، شفاء القلوب من داء الكروب، 45/ 2.