النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠240
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
كاليمين والطلاق، والنذور؛ وسواء كان التزامه التزاماً دينياً، كأداء الفرائض والواجبات، وترك المحرمات، أم التزاماً دنيوياً.
قال الشافعي: «فظاهره - أي الوفاء بالعقود - عام على كل عقد، ويشبه أن يكون الله تعالى أراد أن يوفوا بكل عقد، وكل عقد نذر».
وقال أحمد: العقود هي العهود كلها (2)، وهذا ما ذكره المفسّرون في تفسير قوله تعالى: {أَوْفُوا [المائدة: 1] أنَّها تشمل عقود الأيمان، والنكاح والعهد، والحلف، والبيع.
بِالْعُقُودِ
كما تشمل الفرائض والواجبات والمحرمات (3).
قال ابن العربي: «إذا ثبت هذا فربط العقد تارة يكون مع وتارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل» (4).
الله تعالى، وتارة يكون مع
الآدمي،
يفعله هو،
غير أن الجصاص قد اتخذ لنفسه مسلكاً خاصاً، أنه وهو وإن كان مع معظم المفسرين في تعميم العقد لكل ما يلتزم به الإنسان سواء كان صادراً من شخص واحد، أو من طرفين متقابلين، لكنه اشترط أن يكون التزامه بشيء يتحقق في المستقبل فقال: «العقد ما يعقده العاقد على أمر أو يعقد على غيره فعله على وجه إلزامه إياه؛ لأنَّ العقد إذا كان في أصل اللغة الشد، ثمَّ نقل إلى الأيمان والعقود، فإنما أريد به إلزام الوفاء بما ذكره، وإيجابه عليه، وهذا إنَّما يتناول منه ما كان منتظراً مُراعى في المستقبل من الأوقات؛ فيسمى البيع، والنكاح، وسائر عقود المعاوضات عقوداً؛ لأنَّ كل واحد منهم - أي المتعاقدين - قد ألزم نفسه الوفاء به، وسُمّي اليمين على المستقبل عقداً؛ لأنَّ الحالف قد ألزم نفسه الوفاء بما حلف عليه من فعل أو ترك … وكذلك العهد والأمان … وكذلك كل شرط شرطه إنسان على نفسه في شيء يفعله في المستقبل فهو عقد، وكذلك النذور، وإيجاب القرب، وما جرى مجرى ذلك، وكذلك الطلاق المعلّق على شيء في المستقبل» (5).
ثمَّ بَيَّن الجصَّاص أنَّ ما لا يتعلق بمعنى في المستقبل لا يسمى عقداً؛ لأنَّه لا يمكن الوفاء به، فمدار العقد عنده على التزام يمكن الوفاء به، وبرهن على ذلك لغوياً فقال: لأنَّ العقد هو ضد الحل، ومعلوم أنَّ ما قد وقع يستحيل حله).
(1) أحكام القرآن للشافعي، (65/ 2، 66).
(2) قاعدة العقود لابن تيمية، التي نشرتها دار المعرفة في لبنان خطأ باسم نظرية العقد، (ص 95).
(3) تفسير الطبري (449/ 9). وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي (9/ 3). وأحكام القرآن لابن العربي (524/ 2). وتفسير الطبري
(31/ 6). وتفسير ابن كثير، (5/ 3).
(4) أحكام القرآن لابن العربي، (526/ 2).
(5) أحكام القرآن للجصاص، (294/ 2، 295).
(6) المرجع السابق، (295/ 2).