النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٤٣

243

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

وقولنا: «بارتباط الإيجاب بالقَبول»: يخرج به الالتزام الحاصل من غير ارتباط الإيجاب بالقبول كالإرادة المنفردة، مثل: النذر، والطلاق على غير مال ونحو ذلك.

وفي هذا القيد إشارة إلى أن الإيجاب والقبول إنَّما يسميان عقداً إذا ارتبط الإيجاب بالقبول، فإذا لم يكن بينهما ارتباط، أو طال الفصل بحيث يعتبره العرف قاطعاً لم يتحقق الارتباط، وبالتالي لم يتحقق العقد.

والباء في «بارتباط … » للابتدائية، أي: التزاماً يبتدئ أو ينشأ بارتباط الإيجاب بالقبول، أو للسببية - أي سبباً في الظاهر، فيكون المعنى: التزاماً ناشئاً بسبب ارتباط الإيجاب بالقبول. والمراد بالارتباط: هو الارتباط الحسّي، أي: تعلق الإيجاب بالقبول عرفاً، ثم يترتب عليه الارتباط الحكمي، وهو وجوب الوفاء بما التزم به الطرفان بجعل الشارع وأمره، قال برهان الشريعة: لأنَّ الشرع يحكم بأنَّ الإيجاب والقبول الموجودين حساً يرتبطان ارتباطاً حكميّاً، فيحصل معنى شرعي يكون ملك المشتري أثراً له … والمراد بذلك المعنى المجموع المركب من الإيجاب والقبول مع ذلك الارتباط للشيء» (1).

والمراد بالإيجاب هو التعبير الصادر أوَّلاً الدال على إثبات تعهد، سواء كان بقول أو فعل، أو كتابة، أو إشارة أو نحوها، أي بأي وسيلة من وسائل التعبير.

ما وبالقبول: هو صدر تعبيراً عن الرضا بما أثبته الموجب

(2)

قال ابن الهمام: «الإيجاب لغة: الإثبات لأي شيء كان والمراد هنا: إثبات الفعل الخاص الدال على الرضا الواقع أوَّلاً، سواء وقع من البائع كبعت، أو من المشتري كأن يبتدئ المشتري فيقول: اشتريت منك هذا بألف والقبول الفعل الثاني، وإلا فكل منهما إيجاب أي إثبات، فشمّي الإثبات الثاني بالقبول تمييزاً له عن الإثبات الأوَّل، ولأنه يقع قبولاً ورضاً بفعل الأول» (3). ولذلك فالتحقيق: أنَّ الإيجاب في اللغة الإثبات والقبول: التصديق (4)؛ فتناسب أن يكون القبول خاصاً بمن صدر عن الثاني.

(1) الوقاية مخطوطة مكتبة طوب قاب (3733). ورقة (70)؛ رد المحتار مع رد المختار، (9/ 3). (2) هذا التفسير الذي ذكرناه للإيجاب والقبول هو للحنفية، وأمَّا غيرهم فيظهر من كتبهم أن المراد بالإيجاب هو ما صدر عن عاقد معين مثل المملك أو المؤجر أو المعير أو نحوه، والقبول هو ما صدر عن العاقد الآخر مثل المتملك، أو المستأجر، أو المستعير، أو نحوه. انظر في تفصيل ذلك: فتح القدير - مع شرح العناية، (74/ 5). والفتاوي الهندية (4/ 3). والبحر الرائق، (283/ 5). ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (4/ 2). ومواهب الجليل، (228/ 4). والشرح الكبير، مع حاشية الدسوقي، (4/ 3). والمجموع للنووي، (162/ 9). والغاية القصوى،. (457/ 1). ونهاية المحتاج (375/ 3). والروضة (339/ 3). وكشف القناع، (3/ 2). والإنصاف، (260/ 4). (3) فتح القدير (74/ 5).

(4) لسان العرب، ص (3517، 4766). والمصباح المنير (145/ 2 (322) والقاموس المحيط (141/ 1). (34/ 4).