النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
247
فالعقد
وأما الفريق الثاني: فقد نظروا إلى عموم العقد وعدم التسليم بتخصيص العقد بالمالية، هو الاتفاق بين الطرفين، سواء كان ما يترتب عليه مالاً أو غيره، فليس هناك أي دليل في القانون على اشتراط أن تكون آثار العقد ذات قيمة مالية، ثمَّ إن تدخل القانون في تنظيم آثار عقود الزواج ونحوه لا ينفي عنه العقدية؛ لأنَّ الدخول منذ البداية مرتبط بالعاقدين، والآثار تترتب على الاتفاق وإن كانت بحكم القانون، فحينئذٍ لا يجوز القول بأنَّ هذه الاتفاقات
لا تسمى عقوداً.
صحيح
أنَّ القانون - وليس الإرادة - هو الذي ينظم، آثارها، وذلك لأنه إذا كانت القاعدة العامة في العقود هي أنَّ إرادة المتعاقدين هي التي تنظم آثار العقد وتنشئها، غير أنَّ هذه القاعدة مقيدة بقيد النظام العام، ولذلك نرى المشرّع يتدخل كثيراً في بعض العقود فارضاً إرادته على إرادة المتعاقدين ومحدداً إرادتهما في كونها في كذا دون كذا، ومع ذلك يظل الاتفاق فيها عقداً كما هو الحال في عقد العمل، وعقد الإيجار؛ لذلك فتنظيم المشرع الاتفاقات الخاصة بنظام الأسرة لا يمكن أن ينفي عنها وصف العقود وأن يستبعد عنها تطبيق الأحكام الخاصة بالعقود، ولا سيما شروط الانعقاد والصحة).
وهناك فريق ثالث لم يكتف بحصر العقد في نطاق القانون الخاص، ولا في نطاق المعاملات المالية فحسب، بل ضيق مفهومه بشكل لا يشمل إلَّا العقود التي تتعارض فيها مصالح العاقدين، ويتفاوض في شروطها الطرفان على قدم المساواة، ولذا نراهم لا يطلقون وصف العقد على العقد الذي يجمع بين مصالح متوافقة كما في عقد الشركة، ولا على العقود التي يذعن فيها أحد المتعاقدين للآخر (كعقود الإذعان ولا على العقود التي تنظم أوضاعاً مستقرة كالعقود الجماعية وكتصالح الدائنين مع المفلس، فكل هذه ليست عقوداً في نظرهم، وإنَّما هي مراكز قانونية منظمة، فيكون تفسيرها حينئذٍ كما تفسر القاعدة القانونية طبقاً لما تقضي به الظروف ووفق ما يقتضيه الصَّالح العام
(2)
لكن هذا التضييق ليس عليه دليل لا من مفهوم العقد، ولا من واقع القانون
•
(3)
ولذلك، فالراجح هو شمول العقد لكل اتفاق يتم بإيجاب وقبول، بقصد إنشاء أثر قانوني، أو تعديله، أو إنهائه، من غير نظر إلى تلك الأمور الخارجة عن مفهوم العقد ومدلوله (4).
(1) الدكتور البدراوي: المصدر السابق نفسه، والمصادر السابقة. (2) د. حشمت أبو ستيت: المرجع السابق (39/ 1، 40).
(3)
د. البدراوي: المصدر السابق (ص 44). والمصادر السابقة. (4) البدراوي: المصدر السابق نفسه.