النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٥٥نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
255
وبعبارة أخرى: كل عقد إذا أصبح سبباً لترتب الأثر عليه - وذلك بتحقق أركانه وشروطه - يكون صحيحاً، وإن لم يصبح سبباً لذلك - وذلك بأن يتخلف ركن من أركانه - يكون باطلاً. فالجمهور من حيث المبدأ لم ينظروا إلى هذا الموضوع إلَّا بهذا الاعتبار.
قال الإمام الغزالي: «فكل سبب منصوب لحكم - كالعقد - إذا أقام حكمه المقصود منه يقال: إنه صح، وإن تخلف عنه مقصوده يقال: إنَّه بطل. فالباطل هو الذي لا يثمر؛ لأنَّ السبب مطلوب لثمرته، والصحيح هو الذي أثمره»).
غير أنَّ الحنفية وضعوا منزلة بين المنزلتين، وهو كون العقد لا يترتب عليه الأثر من حيث هو، لكنه يصلح لترتبه عليه إذا اتَّصل بالقبض، وسموه بالفاسد.
ومن جهة ثانية: رأوا أنَّ المساواة بين عقد كان الخلل في أركانه أو في شروط انعقاده، وعقد كان الخلل في غير أركانه أمر غير دقيق في نظرهم، كما أنَّ الفرق بين ما ثبتت حرمته بدليل قطعي، وما ثبت بدليل ظني أمر معقول يؤيده العقل، ويسنده حتَّى واقع آراء غيرهم من الأئمة حيث اتفقوا على أنَّ من أنكر شيئاً ثبت بدليل قطعي يكون كافراً، في حين أن من أنكر شيئاً ثابتاً بدليل ظني لا يحكم بكفره (2)، وكذلك المساواة بين ما نهى لذاته، وما نهى لغير ذاته أمر غير جدير بالقبول.
الفاسد
(3)
ولكل هذه الاعتبارات أبقوا الباطل لما كان الخلل في أصله؛ لأنَّ ذلك متفق عليه، وأطلقوا على ما هو أخف منه، وهو ما كان الخلل في وصفه. وحكموا بأنَّ العقد الباطل ليس له وجود شرعي ولا يترتب عليه أثر، بل هو في حكم العدم، وأمَّا الفاسد فهو عقد منعقد، وإن كان عقداً ممنوعاً أمر الشارع برفعه وفسخه إن لم يتعذر، غير أنَّه إذا نفَّذه العاقدان وتم القبض رتب الشارع عليه بعض الأحكام الشرعية، مثل انتقال الملكية من البائع إلى المشتري في البيع مثلاً، وحتى مع تحقق القبض يظل حق الفسخ واجباً في الشرع لإزالة الفساد إلى أن يتعذر ذلك. وأمَّا الإثم فيبقى على العاقدين في كل الأحوال ما داما لم يفسخا.
فعلى هذا، لا خلاف بين الفريقين في حرمة مباشرة البيع الفاسد، كما أنَّه لا خلاف بينهم في أنَّ الباطل والفاسد مترادفان في العبادات (4).
(1) المستصفى (94/ 1 (95). وتحقيق المراد للعلائي، ط، دمشق (ص 70). (2) المصادر السابقة وتخريج الفروع للزنجاني (ص 77).
(3) وقد استند الحنفية في اختيار الباطل اسماً لما هو غير مشروع بأصله ووصفه والفاسد لما هو مشروع بأصله من دون وصفه ـ دون العكس - على اللغة، حيث يقال: «لؤلؤة فاسدة» إذا بقي أصلها وذهب بياضها ولمعانها، ولحم فاسد إذا نتن ولكن بقي صالحاً للغذاء، ولو قيل: لحم باطل فكان يقصد به أنه صار بحيث لم تبق له صلاحية للغذاء. انظر: فتح القدير (185/ 5). وتيسير التحرير (236/ 2). (4) انظر: الفصول للأستروشني مخطوطة مكتبة السليمانية بتركيا رقم (297/ 528 - (4 ورقة (254). الفصل الخامس والعشرون، وجامع الفصولين (36/ 2). وتيسير التحرير (236/ 2).