النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

261

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، فقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم النية من الهجرة شاملة لنية ابتغاء رضاء الله تعالى وابتغاء الحصول على الدنيا، أو على المرأة. والتحقيق ـ في نظرنا - أن النية ليست القصد إلى الفعل فحسب، وإنما هي الباعث من القصد إلى الفعل، فالمصلّي حينما يصلّي قد قصد فعل الصلاة، لكن ما هو الباعث على أن يتجه قصده إلى هذا الفعل هل هو رضاء الله تعالى، أم الرياء؟ هذه هي النية. فقد ذكر الإمام الغزالي في فتاواه، تحقيقاً رائعاً في هذا الموضوع ننقله لأهميته، فقال: «أمر النية سهل في العبادات وإنما يتعسّر بسبب الجهل بحقيقة النية أو الوسوسة، فحقيقة النية القصد إلى الفعل وذلك مما يصير به الفعل اختيارياً كالهوى إلى السجود، فإنه يكون تارة بقصده وتارة يكون بسقوط الإنسان على وجهه بصدمة، فهذا القصد يضاده الاضطرار والقصد الثاني كالعلة لهذا القصد وهو الانبعاث لإجابة الداعي، كالقيام عند رؤية إنسان فإن قصدت احترامه فقد نويت تعظيمه وإن نويت الخروج إلى الطريق فقد نويت الخروج فالقصد إلى القيام لا ينبعث من النفس إلا إذا كان في القيام غرض، فذلك الغرض هو المنوي والنية إذا أطلقت في الغالب أريد بها انبعاث للقصد موجهاً إلى ذلك الغرض، فالغرض علة وقصد الفعل لا ينفك عند الخطر، إذ اللسان لا يجري عليه كلام منظوم اضطراراً، والفكر قد ينفك عن النية، فهذا يفيدك أن النية عبارة عن إجابة الباعث المتحرك فهذا تحقيق نوعي القصد، فالقصد الأول يستدعي علماً، فإن من لا يعلم القيام ولا التكبير لا يقصده، والقصد الثاني أيضاً يستدعي العلم بأن الغرض إنما يكون باعثاً في حق من علم الغرض، فيرجع إلى الثاني وهو النية وهي خاطرة واحدة ليس فيها تعدد حتَّى جمعها» (2). يعسر

وعلى ضوء ما سبق عرّف الزركشي النية بأنها ربط القصد بمقصود معين»، أي ربط القصد إلى الفعل أو إلى الترك بغرض معين، وهو أن يكون ابتغاء وجه الله تعالى أو ابتغاء غيره وقيده بكونه معيناً؛ لأنَّه إذا لم يكن معلوماً ومعيناً لا تتعلّق به النية، قال الغزالي: «ولكن شرط النية الإحاطة بصفات المقصود)، قال العز: النية قصد لا يتصور توجهه إلاّ إلى معلوم أو مظنون فلا تتعلّق بمشكوك فيه، وكذلك لا تتعلق بالموهوم، ولا بد أن يكون جزمها مستنداً إلى علم أو اعتقاد، أو ظن» (5).

(1) الحديث متفق عليه رواه الجماعة بطرق كثيرة تربو على سبعين طريقاً، يراجع صحيح البخاري - مع فتح الباري، (12/ 1). ومسلم (1515/ 3). وسنن أبي داود - مع عون المعبود (284/ 6) والنسائي (51/ 1). وابن ماجه (1413/ 2). ويراجع: تلخيص الحبير (54/ 1).

(2) إحياء علوم الدين للغزالي، ط، عيسى الحلبي (353/ 4 - 355). والمنثور في القواعد للزركشي (284/ 3 - 285). (3) المنثور في القواعد (284/ 3).

(4) الوسيط بتحقيقنا (596/ 2) وراجع القواعد للعز بن عبد السلام (185/ 1).

(5) قواعد الأحكام (185/ 1). وراجع القواعد لابن رجب، ص 3

123