النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢262
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
بين مقاصد
الله
تعالى ومقاصد المكلفين
(1)
يقصد بمقاصد المكلفين): نياتهم وغاياتهم، وأغراضهم، وأهدافهم التي يفعلون لأجلها، حيث قد تكون تحقيق العبودية الخالصة لله تعالى، والخضوع والانقياد لأوامره ونواهيه، والسمع والطاعة لما يطلب منهم، وتحقيق سعادة الآخرة، والدنيا، وقد تكون تحقيق أهداف دنيوية فقط، كما أوجزها الحديث النبوي الشريف: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (2).
هل المقاصد دليل أو منهج ومسلك ومرآة ومعيار؟
الذي يظهر بوضوح أن المقاصد» ليست دليلاً مستقلاً أدلة من الشرع، ولا مصدراً من مصادره المعتمدة، وإنما هو مسلك يصاحب جميع الأدلة، ويحتاج إليه الفقيه في إعمال أي دليل، ولا يستغني عنه مجتهد في اجتهاده واستنباطه، وتنزيل الحكم على الواقع، ولا مفت في فتواه إذا أراد أن يكون اجتهاده صحيحاً، وترجيحه دقيقاً، وفتواه صحيحة، وتنزيلها مطابقاً بين الواجب والواقع.
بين المقاصد والاستحسان
لفهم
وتبين لي من خلال دراسة المقاصد والاستحسان، أن قاعدة مقاصد الشريعة منهج أصيل أدلة الشرع، فهو مثل الاستحسان عند الحنفية (3) من حيث إنهم جعلوه المعيار لتحقيق المصالح، ولذلك وسعوا دائرته ليكون مع جميع الأدلة، فمثلاً جعلوا الاستحسان مع الكتاب والسُّنَّة عندما تكون مجموعة من الآيات أو الأحاديث تدل على أصل عام، ثم تأتي آية كريمة أو سنة ثابتة ـتثني شيئاً أو حالة، وتثبت لها حكماً سهلاً يحتاج إليه عامة الناس، حيث يسمى هذا الحكم الأخير المستثنى: استحساناً بالكتاب، أو بالسنة، وهكذا الأمر بالنسبة للإجماع، والقياس، وأقوال الصحابة ونحوها، والمالكية أيضاً اعتمدوه من خلال الاستصلاح.
فتسـ
(1) يراجع لمزيد من البحث والتفصيل: د. عمر الأشقر: مقاصد المكلفين، ط، دار الفلاح، الكويت 1401 هـ، ص 19 وما بعدها. (2) الحديث متفق عليه رواه الجماعة بطرق كثيرة تربو على سبعين طريقاً، يراجع: صحيح البخاري - مع فتح الباري، (12/ 1). ومسلم (1515/ 3). وسنن أبي داود - مع عون المعبود (284/ 6) والنسائي (51/ 1). وابن ماجه (1413/ 2). ويراجع: تلخيص الحبير (54/ 1). (3) يراجع للاستحسان الأصل للشيباني، ط كراتشي، تحقيق أبو الوفا الأفغاني (511/ 4)، حيث ينقل عن أبي حنيفة في أولياء عفواً عن الجناية قبل موته، ثم مات، قوله: (فإن عفوهم باطل في القياس، ولكني أستحسن فأجيزه، وكذلك لو عفا المجروح نفسه عن الجراحة أجزت عفوه وأخذت بالاستحسان فيهما جميعاً، وأدع القياس). فالقاعدة العامة. هي: أن العفو إنما يصح إذا كان الحق قد ثبت، وهنا لم يثبت لأن الموضوع يتعلّق بالقتل أصلاً وليس بالمال، وبعبارة أخرى فإن ميزان القتل يختلف عن ميزان المال يراجع للمزيد من التفصيل: كشف الأسرار للبزدوي. (7/ 4). والموافقات (562/ 4). ود. مصطفى الزيلمي: أصول الفقه في نسيجه الجديد، ط، بغداد (186/ 1) والزرقا: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، ط، دمشق (77/ 1).
المجروح