النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٣

263

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

لكن المقاصد أعم وأشمل:

جميع

تبيّن لنا من خلال نصوص الفقهاء أن قاعدة المقاصد أيضاً مسلك فقهي، ومنهج دقيق يصاحب الأدلة، فهو «غير خارج عن الأدلة، إلّا أنه نظر إلى لوازم الأدلة ومآلاتها»، فالمقاصد كما قال: أصبغ في الاستحسان «عماد العلم، والأدلة المذكورة .... وأن اعتبارها لازم في كل حكم على الإطلاق» كما قال الشاطبي آنفاً.

بحيث إذا أدّت القواعد العامة، أو بعض الأدلة الجزئية إلى عدم تحقيق مقاصد الشريعة العامة، أو الخاصة بالقضية فإن على الفقيه البحث عن استثناء والعدول من القاعدة العامة، أو الدليل الجزئي إلى المقاصد العامة إما عن طريق التوافق، أو الترجيح.

فكما أن الاستحسان يحمي الفقيه المغرق في القياس من مفارقة الأدلة الأخرى والمصالح الضرورية والحاجية للأمة فكذلك قاعدة المقاصد، أو فقه المقاصد.

:

إن أبا حنيفة قد اختار منهجاً رائعاً ورائداً نابعاً من فقهه العظيم وفطنته وخبرته يقوم على حماية القواعد العامة والمبادئ الكلية من عيوب التعميم والتنظير، وذلك من خلال استثناء الحالات التي لا تحقق المصالح العامة، أو لا تتفق مع رفع الحرج والعسر، وتحقيق اليسر المؤكَّدين أيضاً في هذه الشريعة أيضاً، أو أنها مستثناة بدليل آخر من هذه القواعد العامة، حيث سماها أبو حنيفة: الاستحسان، وكذلك يقوم هذا المنهج على تفادي بعض عيوب القياس الأصولي عندما يفضي اطراد علته إلى حرج وضيق، أو إلى عدم تحقق المصالح والمقاصد، وحينئذ يتدخل الاستحسان فيعطي للمجتهد مجالاً واسعاً لاختيار الأحسن، فيأخذ بالقياس الخفي الذي يحقق المصالح أو مقاصد الشريعة، فمثلاً إن من أوقف وقفاً لازماً أرضه التي لها حقوق ارتفاق دون النص عليها، ثم مات مثلاً، فإن أمام المجتهد قياسين: قياساً جلياً وهو قياس الوقف على البيع حيث إنّ كلاً منهما من العقود الناقلة للملكية عند جمهور الفقهاء، فعلى ضوء ذلك فإن حقوق الارتفاق لا تلحق بالوقف. وأما القياس الخفي فهو قياسه على الإجارة، وحينئذ يشمل حقوق الارتفاق؛ لأنَّ الأرض الزراعية لا يستفاد منها إلّا من خلال حقوق ارتفاقها، فاستعمل المجتهد الاستحسان، فوجد أن القياس الأخير أحسن من حيث تحقيقه لمقاصد الشريعة، ومقاصد المكلف، فالشريعة تشجع على وقف الأحسن، والمكلف يريد الثواب الأكبر من خلال النفع الأشمل، فيرجح القياس الخفي على القياس الجلي، وهكذا) فالمطلوب بالنسبة للمجتهد ألا يتسرّع بل ينظر إلى الأحسن.

(1) يراجع لمزيد من التفصيل حول الاستحسان المسودة ص (451 - (454). وشرح تنقيح الفصول، ص 451. والتوضيح (4/ 3). وتيسير التحرير (78/ 4). والحدود للباجي، ص 65.