النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

264

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

(1)

وقد ضرب أبو الخطاب الحنبلي مثلاً العينة: إذا اشترى زيد نسيئة ما باعه لعمرو بأقل مما ببيع باع قبل نقد الثمن الأول، حيث إن القياس يقتضي جوازه؛ لأنَّ أركان البيع وشروطه كلها صحيحة في الظاهر، لكن الاستحسان يقتضي عدم جوازه وعدم صحته، ثم قال: وحاصله يرجع إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر المجتهد)، ولكن التحقيق أن الاستحسان أعم من ذلك كما سبق. والتحقيق: أن الاستحسان أيضاً وسيلة من وسائل تحقيق مقاصد الشريعة في المجالين، في مجال تطبيق القواعد العامة والأصل العام، ومجال تطبيق القياس الأصولي، حيث إنه لبالمرصاد، فلا يتركهما يطغيان على المقاصد، والمصالح، ولذلك طور المالكية هذا المنهج فجعلوه شاملاً للاستصلاح - كما سبق - غير أن الاستحسان الذي ذكره أبو حنيفة منذ أواخر القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني أخص من المقاصد التي ذكرها إمام الحرمين، فالغزالي، فالعز، فابن تيمية وابن القيم، ثمَّ فصلها وأصلها الشاطبي.

11

(2)

ومن هذا الباب فإن النص الصحيح الوارد في النهي عن بيع الغرر يخصص بالحاجة العامة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كانت مفسدة بيع الغَرَر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل، فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل. لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض. وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة، فهو باطل، وإن كان فيه منفعة وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلّا رميه بقوس وسه، وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق (3) صار هذا اللهو حقاً.

ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض، وأكل مال بالباطل؛ لأن الغرر فيها يسير كما تقدم، والحاجة إليها ماسة، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر. والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية؟ ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح، أباح الشرع ذلك، وقاله جمهور العلماء. كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى» (4).

(1) شرح الكوكب المنير (432/ 4). والمسودة ص 453 454.

عن بيع

الحصاة،

(2) وهو ما رواه مسلم في صحيحه (1153/ 3) البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة، والبيع الذي فيه غرر. وأصحاب السنن، وأحمد (116/ 1، 302، 154/ 2 155 (250) بسندهم عن أبي هريرة قال: «نهى رسول الله وعن بيع الغرر». (3) يراجع: مسند أحمد (146/ 4). ط، المكتب الإسلامي - بيروت. (4) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، طيب الله ثراه (48/ 29 - 49). ط، إدارة المساحة العسكرية بالقاهرة 1404 هـ.