النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٥

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

265

ومن هذا الباب استثنى الرسول صلى الله عليه وسلم من بيع الربويات بيع العرايا لحاجة الناس، وهي ليست حاجة ملحة، بل حاجة في أدنى مراتبها، وه الحاجة إلى التمر، أو لدفع ضرر الدخول في البستان، كما ورد في ذلك الأحاديث الصحيحة (1)

ذلك

،

(2)

ومن هذا الباب قاعدة الأصالة والتبعية، حينما يوجد حرج شديد في تطبيق نصوص شرعية على التابع، فإنها لا تطبق عليها لقاعدة المقاصد مثل: تطبيق قاعدة التقابض في المجلس مع التماثل عند اتحاد الجنسين أو دونه عند اختلافهما، المأخوذة من الأحاديث الصحيحة الدالة على حيث لا تطبق عند بيع الإنسان جاريته التي معها حلي من الذهب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلّا أن يشترطه المبتاع)، حيث يدل بوضوح على أنه لا ينظر في مال العبد الذي معه حتَّى ولو كان ذهباً أو فضة إلى تطبيق قاعد بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، أو بيع أحدهما بالآخر، قال ابن القاسم عن مالك: يجوز أن يشتري العبد وماله بدراهم إلى أجل وإن كان ماله دراهم، أو دنانير، أو غير ذلك من العروض» (4).

وهذا الحديث أعطانا مؤشراً جيداً لرعاية المقاصد عند التوابع، بحيث إذا وجد حرج شديد لا نطبق عليه مقتضى القواعد العامة، وهذا مستندنا في قولنا: بجواز المساهمة في الشركات التي يكون نشاطها العام حلالاً، وأهدافها مشروعة، ولكن الإدارة تتعامل مع البنوك الربوية، حيث قلنا: بجواز الاكتتاب، والتداول في أسهمها بضوابط معينة للحاجة العامة، ورفع الحرج ومراعاة مصالح الملتزمين بأحكام الشريعة وعدم حرمانهم من هذه الشركات المهمة (5).

ومن هذا الباب أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتَّى يبدو صلاحها»، وفي لفظ مسلم: لا تبايعوا الثمر حتّى يبدو صلاحها، وتذهب عنه الآفة»)، ومع ذلك أجاز النبي صلى الله عليه وسلم بيعها تبعاً كما في حديث ابن عمر: «من باع نخله بعد أن تؤثر فثمرتها للبائع إلّا أن يشترطها المبتاع».

(1) فقد ثبت أن «النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الرطب بالتمر». رواه مالك والشافعي وأصحاب السنن. انظر: مسند الإمام الشافعي ص 51. وأحمد (312/ 3). وتلخيص الحبير (9/ 3). ثم استثنى منه بيع العرايا: وهو بيع الرطب فوق الشجر بالتمر في حدود

خمسة أوسق»، رواه البخاري، فتح الباري (390/ 4).

(2) يراجع: فتح الباري (379/ 4 (383) ومسلم (1208/ 3، 1212).

(3) رواه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة - مع فتح الباري (49/ 5) ومسلم في صحيحه، البيوع (1173/ 3). (4) الاستذكار لابن عبد البر (34/ 19).

(5) يراجع لتفاصيل هذه المسألة: حكم الاستثمار في الأسهم، مع تطبيق عملي على سوق الدوحة للأوراق المالية، دراسة فقهية اقتصادية تطبيقية، أ. د. علي محيي الدين القره داغي، ومصادره المعتمدة، ط، مطابع الدوحة الحديثة.

(6) يراجع: فتح الباري (397/ 4) ومسلم (1165/ 3 - 1168). وعون المعبود (221/ 9). وتحفة الأحوذي (420/ 4). (7) يراجع: فتح الباري (49/ 5 وما بعدها) ومسلم (1172/ 3 وما بعدها).