النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦266
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وقد علق ابن تيمية على الحديث السابق بقوله: «فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير، كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها، وعلّمها أمته، ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه، غير ناظر إلى ما يعارض علته من المانع أفسد كثيراً من أمر الدين، وضاق عليه عقله ودينه».
الراجح،
فأبو حنيفة اتبع منهجاً رائداً ورائعاً عندما رأى أن الأحكام التي تسير بحسب الأصول العامة والقواعد العامة في الشريعة سماها القياس والأصل، وعندما رأى دليلاً يدل على الخروج من هذا الأصل العام (القياس) لمصلحة الناس، وحاجتهم، أو رفع الحرج عنهم سمى ذلك: الاستحسان، يقول ابن بدران الدمشقي: واعلم أن قول الفقهاء: هذا الحكم مستثنى من قاعدة القياس، أو خارج عن القياس، أو ثبت على خلاف القياس، ليس المراد به أنه تجرد عن مراعاة المصلحة حتّى خالف القياس، وإنما المراد به أنه عدل به عن نظائره لمصلحة أكمل، وأخص من مصالح نظائره على جهة الاستحسان الشرعي … ».
ومن هنا، فالمقاصد أو قاعدة المقاصد هي مسلك فقهي لفهم النصوص والأدلة، ومعيار لصحة الاجتهاد والفتوى، ومنهج فقهي قويم لضبط المسائل والجزئيات مع الكليات، حتّى تكون الشريعة كلها أصولها وفروعها، وكلياتها وجزئياتها وسائلها وغاياتها على نسق واحد في انسجام تام، وتناغم كامل، وهذا هو الميزان الذي أنزله الله تعالى مع كتابه ليقوم الناس بالقسط والعدل. وهي من جانب آخر: مرآة الفقيه لينظر من خلالها إلى الجزئيات ومدى مطابقتها للكليات ومقاصد الشريعة الكلية.
يقول الشاطبي: «الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الخلاف، كما أنها في أصولها كذلك، ولا يصلح فيها غير ذلك، والدليل عليه أمور:
أحدها: أدلة القرآن من ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] .... وفي القرآن: ﴿فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: 59] وهذه الآية صريحة في رفع التنازع والاختلاف … ولا يرتفع الخلاف إلّا بالرجوع إلى شيء واحد، إذ لو كان فيه ما يقتضي الاختلاف لم يكن الرجوع إليه رفع تنازع، وهذا باطل» (3).
(1) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (51/ 29).
في
(2) ابن بدران الدمشقي: المدخل، تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط، الرسالة، بيروت 1401 هـ، ص (313 - 314). وان كان لابن تيمية وتلميذه ابن القيم تحفظ على تسميته بالاستثناء أو خلاف الأصل، حتى عقد الأخير فصلاً خاصاً اعلام الموقعين، ط دار الجيل ببيروت 3/ 2 (65)، سماه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس. (3) الموافقات في أصول الشريعة لأبي إسحاق الشاطبي، شرحه وكشف مراميه وخرج أحاديثه الشيخ عبد الله دراز، ط، دار المعرفة، بيروت - لبنان، 1415 هـ / 1994 م (488/ 4).