النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

268

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

2

علاقة المقاصد بالأدلة الأخرى، حيث لها علاقة بالإجماع من حيث إنها شرط في الاجتهاد المشروط في المجمعين)، وأما علاقته بالقياس فعلاقة مؤصلة ثابتة من خلال علته التي تكون مناسبة للحكم، وأما علاقته بالمصالح المرسلة، فواضحة، حيث إنها لا بد أن تكون ملائمة

لمقاصد الشرع، وأما سد الذرائع وفتحها، ورعاية المآلات فهي حماية للمقاصد وسياج لها. فهذه الشريعة دلت بأدلة قاطعة على أنها نزلت رحمة للعالمين (وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] فكيف تكون زحمة لهم؟ وأنها خير لهم فقال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، فكيف تكون شراً لهم وأنها كلها مصالح ومنافع وزينة وجمال وبركات ورحمات، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 32]، وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96]، بل إن الله تعالى حصر التحريم في الخبائث، والتحليل في الطيبات، فقال تعالى في وصف هذه الرسالة الخاتمة وخصائصها: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُتِيَ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ امَنُوا بِهِ وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157].

5

فالآيات البينات، والأحاديث الصريحات في هذا الباب أكثر من أن تعد أو تحصى في هذا البحث. فإذا كان الأمر كذلك فأي دليل يدل بظاهره على ما يخالف مقاصد الشرع العامة، والمبادئ القطعية والقواعد الكلية المتفق عليها فيجب إعادة النظر والاجتهاد في المقدمات والممهدات والحيثيات للوصول إلى تحقيق مقاصد الشريعة الغراء.

لقد لخص ابن القيم ذلك بقوله: «فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة، وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه

(1) الموافقات (105/ 4). والشيخ القرضاوي: الاجتهاد، ص 43. (2) الأحكام للآمدي (202/ 3، (207) ود السعدي المرجع السابق، ص 197. (3) المصادر السابقة، ود. محمد اليوبي: المرجع السابق، ص 526 وما بعدها.