النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

269

المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا، وطوي العالم، وهي العصمة للناس، وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله الخراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة» (1).

الله بعث وبناء على ذلك فلما سئلت قبل ما يقارب من ربع قرن عن كيفية ردّ قرض بمائة ألف ليرة لبنانية تم عندما كانت قيمتها حوالى خمسين ألف دولار، ثم أصبحت قيمتها يوم إرادة الرد تساوي مائة دولار تقريباً، كتبت بحثاً وتوصلت إلى أن مقاصد الشريعة تقضي بحفظ مال المقرض المحسن، وتحقيق العدل معه، ودرء ظلمه، وذلك لأن الله تعالى قرر مبدأ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279) مع المرابين، فكيف لا يقرره مع المقرضين المحسنين، وقلت: يجب الرد بمثل قيمة القرض يوم الاقتراض، ويكون المعيار إما السلع الأساسية، أو الذهب، أو سلة العملات الصعبة، أو يجب الصلح - كما قرره الحنفية في بعض الأمور وسموه الصلح الواجب (2).

العلة والحكمة والتعليل

تمهيد:

إن

نشأة علم المقاصد تعود إلى العلة وكونها مناسبة، ومن هنا أولى إمام الحرمين، ومن جاء بعده العناية القصوى بتأصيل مقاصد الشريعة، وتقسيمها إلى مقاصد ضرورية، ومقاصد حاجية، ومقاصد تحسينية، أو تكميلية.

ولذلك أرى من الضروري أن أتطرق إلى بيان العلة والحكمة بالقدر الذي يتعلق بالموضوع، وإلى تعليل الأحكام، وتحرير محل النزاع فيه.

أولاً: العلاقة بين الحكمة والعلة

وإذا كانت العلة لدى علماء الأصول: هي الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم، فإنها تتضمن من خلال كونها معرفة للحكم ومناسبة له تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وهنا ظهرت العلاقة بينها وبين الحكم والمصالح، وأثر التعليل بالحِكَم والمصالح - كما سبق ـ.

(1) إعلام الموقعين (3/ 3). ط، الأزهرية.

(2) يراجع لمزيد من التفصيل: كتابنا: قاعدة المثلي والقيمي، وأثرها على الحقوق والواجبات، ط دار الاعتصام، عام 1413 هـ/1988 م، وبحثنا المقدم إلى مجمع الفقه الإسلامي حول هذا الموضوع والمنشور في العدد الخامس، الجزء الرابع، ص 7

1777