النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٠

270

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

والذي يظهر لنا رجحانه هو أن أحكام هذه الشريعة مرتبط كلها بالحكم والمصالح، ولكنها إذا ضبطت فتصبح علة مقبولة، معرفة، أو مؤثرة في غير الشعائر (التعبدية وحينئذ يعتمد عليها في القياس، وإلّا فتكون لبيان محاسن الشريعة وجمالها وعظمتها، فلا يوجد حكم من دون حكمة وإن كانت عامة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، فالشعائر التعبدية مثل الصلاة التي هي صلة بين ذلك فالحكمة منها أنها تمنع الفحشاء والمنكر فقال تعالى: الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ … ) [العنكبوت: 45]، والزكاة تطهير للمعطي من الجشع والبخل، وتطهير للمعطى إليه من الحقد والحسد وتكافل اجتماعي لتحقيق الأخوة الإيمانية، فقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوْنَكَ سَكَنٌ فَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)

الناس، وبين

الله تعالى ومع

[التوبة: 103]، والصوم عبادة لتزكية النفس، وللتحمل والصبر والترويض على تحمل الجوع والعطش، والامتناع عن المباحات لأجل التعود على الامتناع عن المحرمات فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]، والحج قال فيه تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ … ﴾ [الحج: 28].

ولكن الحِكَم والمصالح في الشعائر التعبدية ليست للقياس بالزيادة والنقصان، وإنما لبيان ما فيها من خير ومنافع للأمة؛ لأن الدين كله خير بنص القرآن الكريم، فقال تعالى: {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ

الْمُتَّقِينَ) [النحل: 30].

وأما الحكم والمصالح في غير الشعائر التعبدية من العادات والمعاملات، فهي للقياس والاستفادة منها في الحوادث الجديدة لتقاس على المنصوص عليها إذا تحققت العلة الجامعة، أو المصلحة الجامعة. فمنهج القرآن الكريم واضح في أن التعليل بالحكم والمصالح هو الأصل في التعليل، يقول الشيخ محمد مصطفى شلبي: «إن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما الكثير من الأحكام المعللة بالحكم والمصالح … ، بل إن ما روي عن الفقهاء المجتهدين من أول الخلفاء الراشدين إلى عصر الأئمة من التعليلات يصور لنا حقيقة التعليل عندهم، وإنه يكاد يقتصر على الحكمة حتّى لو قال قائل: إن التعليل بالحكمة هو الأصل في التعليل لم يكن في قوله مغالاة، ولا بعد عن الحقيقة). إذا نظرنا إلى الآيات الكريمة التي تتحدث عن الأحكام الشرعية نجد أن كثيراً منها تعلل بالحكم والمصالح، سواء كانت في مجال الشعائر التعبدية - كما سبق - أم في نطاق غيرها، فقد علل الله تعالى تقسيم الفيء على مستحقيه الكثيرين بقوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آلَنَكُمُ

(1) أصول الفقه الإسلامي، ص 5

225