النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

271

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

الرسولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 7]. ومن المعلوم أن هذا التعليل هو بالحكمة والمصلحة وليس بالعلة المعروفة لدى علماء الأصول، وكذلك قوله تعالى في الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَة فَهَلْ أَنتُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91].

السنة وفي نجد نصوصاً كثيرة في التعليل بالحكم والمصالح منها على سبيل المثال قوله صلى الله عليه وسلم عندما استشاره سعد وهو في مرضه أن يوصي بشطر، ماله، فلم يوافق، ثمَّ عرض عليه «الثلث»،

فأجاب: «الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس»، فهذا تعليل بالحكمة وليس بالعلة.

(1)

-

وفي ضوء هذا المنهج كانت تعليلات الصحابة، وبالأخص الخلفاء الراشدين، ونذكر مثالاً واحداً وهو أن جمهور الصحابة الفاتحين للعراق قد عرضوا على عمر ـ رضي الله عنهم جميعاً - قسمة سواد العراق عليهم مستدلين بظاهر آيات الغنيمة، وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة خيبر على فاتحيها، فامتنع عمر عن ذلك مستدلاً لذلك بقوله: لولا آخر المسلمين ما فتحتُ قرية إلّا قسمتها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر»، استشهاداً بالآيات الأربع من سورة الحشر من قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا الَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُ و الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَيكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَالإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمُ) (الحشر: 7 - 10]، وعمر الله علل أجراءه ذلك بالحكم والمصالح وهي مراعاة حقوق الأجيال التالية التي استنبطها من الآيات السابقة، حيث قال: «والله من المسلمين إلا وله حق من هذا المال أعطي منه أو منع منه، حتَّى راعٍ بعدن» (4).

ما من أحد

ص 476.

سننه

مع

(1) الحديث رواه البخاري في صحيحه مع فتح الباري (363/ 5 - 369) ومسلم في صحيحه (1250/ 3). والترمذي في. التحفة (301/ 6). والنسائي (201/ 6) وابن ماجه (904/ 2). والموطأ. (2) يراجع في هذه القصة: صحيح البخاري (48/ 3) والمصنف لابن أبي شيبة (471/ 6). والأموال لابن زنجويه (108/ 1، 109 و 480/ 2) والسنن الكبرى للبيهقي (351/ 6 - 352).

(3) ويراجع: الدكتور أكرم العمري عصر الخلافة الراشدة، ط، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة، ص 177.

-

(4) هذا الأثر صحيح، رواه عبد الرزاق في المصنف (151/ 4 - 152) و (101/ 11 (102) وابن أبي شيبة في المصنف (471/ 6). وابن زنجويه في الأموال (1081 - (109) و (480/ 2) والبيهقي في السنن الكبرى (351/ 6 352). ويراجع الدكتور أكرم

العمري: المرجع السابق، ص 178.