النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٢

272

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وعلى هذا المنهج سار الفقهاء الكبار من التابعين ومن تبعهم من أصحاب المذاهب الفقهية في أمثلة كثيرة ليس هذا مجال ذكرها)، قال الآمدي: «لأن المقصود من شرع الأحكام الحكم، فشرع الأحكام مع انتقاء الحكمة يقيناً لا يكون مقيداً» (2).

ومن هنا كان سبب امتناع جمهور الأصوليين عن التعليل بالحكمة يعود إلى خوفهم من عدم ضبط الأقيسة، حتّى لا تترك للمتأخرين. يقول الإمام القرافي: (والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علة كذهاب العقل الموجب لجعل الإسكار علة والمظنة هي الأمر المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم إما قطعاً كالمشقة في السفر، أو احتمالاً كوطء الزوجة بعد العقد في لحوق النسب، فما خلا عن الحكمة فليس مظنة» (3).

ثانياً: خلاف فلسفي فيه لا أثر له على النص والواقع

وقد وقع في هذا الباب خلاف بين العلماء حول تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه، لو أثير بصورة عادية وواقعية لما كان هناك مجال للاختلاف بين علماء المسلمين، ولكنه صيغ في صورة فلسفية، وفي جو مشحون أدى إلى خلاف كبير بين علماء الكلام، بين المعتزلة من جانب والأشعرية من جانب آخر، حيث قال المعتزلة: إن أفعال الله تعالى كلها معللة، ثمَّ رتبوا عليها القول بأن الله تعالى يجب عليه الصلاح والأصلح، فقرر رئيسهم أبو الهذيل (135) - 226 هـ): أن الله تعالى محسن فلا يفعل إلّا ما فيه الصلاح، وأن نسبة خلق الشرور إليه تعالى ليست حقيقة، بل مجاز، فقال: «إن الله يخلق الشر الذي هو مرض، والسيئات التي هي عقوبات، وهو شر في المجاز، وسيئات في المجاز»؛ فهذه الفكرة الفلسفية مسندة إلى أفلاطون، فقد نقل عنه الشهرستاني قوله: «فمن المؤكد أن الله صالح … وإذا كان صالحاً فإنه لا يصنع الشر، ولا يكون سبباً فيه … » (4).

إذاً فهذه الفكرة تؤدي إلى عزل الخالق عن خلق جزء كبير من الأفعال، وهو يصطدم مع النصوص القرآنية الدالة على أن الله تعالى هو خالق كل شيء، وكل ما يقع فيه، فقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلُ) [الأنعام: 102]، فقد بدأت الآية بتقرير الوحدانية المطلقة لله تعالى التي تقتضي أن يكون الخالق لكل شيء واحداً، وإلّا ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا وَالِهَهُ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22]، وقال تعالى: {هَلْ مِنْ خَلْقٍ

(1) يراجع: المصادر الأصولية السابقة، والشيخ مصطفى شلبي: المرجع السابق، ص 7 (2) الأحكام للآمدي (393/ 3)، ويراجع شرح المحلى على جمع الجوامع (278/ 2). (3) مختصر التنقيح، ص 124.

229 - 227

(4) يراجع: الملل والنحل للشهرستاني، ط، مصطفى الحلبي بالقاهرة 1396 هـ، (49/ 1 - 53، 88/ 2 - 95). ويراجع: أ. د. محمد عبد الستار نصار: العقيدة الإسلامية، ط دار الهدى بالقاهرة، 1403 هـ، ص 188 - 190.