النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٣

273

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [فاطر: 3]، وقال تعالى: {اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وكيل) [الزمر: 62].

وإذا كانت بعض الآيات أسندت الشر والسيئة إلى الإنسان مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةِ فَمَن نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، لكن الآية لم تسند الخلق إليه، وإنما أضاف السيئة إلى الإنسان من حيث إن لها دوراً فيها من حيث إنه أرادها، وسعى لها وأخذ بأسبابها الظاهرة، ولكن هذه القدرة تعود أيضاً إلى الله تعالى فهو الذي منحها إياه، وخلقها له، فهذه الآية تقرر مبدأ المسؤولية القائمة على الإرادة والكسب، ولذلك أضافها إلى نفس الإنسان، فقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةِ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، أي بسبب ذنوبه، ولذلك قرر الله تعالى في نفس المعنى والإطار أن خلق السيئة من الله تعالى بعدما يريدها الإنسان، ويقدم عليها على ضوء سننه في الكون، سننه في المسؤولية والمحاسبة والثواب والعقاب، فقال تعالى: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78)، حيث قرر الله تعالى في مقام العقيدة والخلق بأن كل شيء إلى الله تعالى فله الأمر والخلق.

الله

نعم، إن لا يخرج عن إرادته وخلقه وتكوينه وقدرته.

تعالى لا يرضى لعباده الكفر ولا الشرور، ولكن إذا هم أرادوا ذلك فإن كل شيء

وكردّ فعل للأشاعرة على نتائج مقولة المعتزلة هذه بالغوا فنفوا تعليل الأفعال، وأضافوا إليها الأحكام في باب العقيدة وعلم الكلام، وقيل بأن الأشعري أفحم شيخه الجبائي (ت 295 هـ) حينما قال: «لماذا خلق الله تعالى الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة حيث بهت الجبائي، وترك الأشعري مذهبه، وبنى مذهبه الجديد الذي سمي الأشعرية، لذلك فمعظم الأشاعرة حينما تحدثوا عن تعليل الأحكام في علم أصول الفقه ذهبوا إلى أنها معللة، بل إن أبا الحسن الأشعري نفسه نص على أنه لا قياس إلّا على أصل معلول فيه علة يجب أن تطرد في الفرع».

(1) يراجع لمذهب الجبائية الملل والنحل للشهرستاني (782 (85)، ومقالات الإسلاميين (531/ 2). (2) مقالات الإسلاميين للأشعري، ص 470.

في

وقد استشكل ابن السبكي ورود هذا الكلام من الأشاعرة وشيخهم في الإبهاج (41/ 3). ثم ذكر جواب والده رحمهما الله كتابه ورد العلل في فهم العلل، حيث حمل نفي التعليل عندهم على أن المراد بالعلة: العلة المؤثرة بذاتها، أو بمعنى: الباعثة على فعل المكلف، فالقصاص ليس علة مؤثرة وباعثة لله تعالى، لأن الله قادر على حفظ النفوس دون القصاص. كما حمل قولهم بإثبات العلة في القياس على أن العلة معرفة للحكم وليست مؤثرة بذاتها، ولا باعثة عليه، وجاء في شرح المحلى مع حاشية العطار (274/ 2) قول السبكي: «نحن معاشر الشافعية إنما نفسر العلة بالمعرف، ولا نفسرها بالباعث أبداً … ، لأن الرب تعالى لا يبعثه شيء على شيء، ومن عبّر من الفقهاء عنها بالباعث أراد أنها باعثة للمكلف على الامتثال … ». وقد أكد هذا المعنى الزركشي في البحر المحيط (124/ 5). ط، وزارة الأوقاف بالكويت، 1413 هـ.