النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٤274
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ونحن هنا لا يهمنا هذا الخلاف الفلسفي، ونستبعده، وبالتالي نستطيع القول بأن الخلاف في الفقه وأصوله محصور بين جماهير الفقهاء والأصوليين القائلين بتعليل الأحكام) وبين الظاهرية (2) وقلة من القائلين بعدمه، ولكن كلام الظاهرية أيضاً لا بد أن يحصر في دائرة العلة التي يبنى عليها القياس، حيث إنهم لما نفوا القياس نفوا كذلك العلة، ولكنهم لا يقولون بتجريد الخلق والأفعال والأحكام عن المقاصد والغايات.
وقد نقل ابن الحاجب في الكلام عن السبر والتقسيم: إجماع الفقهاء على أنه لا بد للحكم من علة (3)، وقال ابن رحال: قال أصحابنا: الدليل على أن الأحكام كلها مشروعة لصالح العباد إجماع الأمة على ذلك: إما على جهة اللطف والفضل على أصلنا - أي أصل السنة ـ أو على جهة الوجوب على أصل المعتزلة (4).
يقول الأصفهاني في شرح المحصول: ندعي شرعية الأحكام لمصالح العباد … ، وندعي إجماع الأمة، ولو ادعى مدع إجماع الأنبياء على ذلك، بمعنى أن نعلم قطعاً أن الأنبياء ـ عليهم السلام - بلغوا الأحكام على وجه يظهر بها غاية الظهور مطابقتها لمصالح العباد في المعاش والمعاد … » (5). وقد حاول الزركشي أن يجعل الإجماع على رعاية الحكمة في أفعال الله تعالى وأحكامه، فقال: والحق أن رعاية الحكمة لأفعال الله تعالى وأحكامه جائز واقع ولم ينكره أحد، وإنما أنكرت الأشعرية العلة والفرض والتحسين العقلي ورعاية الأصلح، والفرق بين هذه ورعاية الحكمة واضح، ولخفاء الغرض وقع الخبط، وإذا أردت معرفة الحكمة في أمر كوني، أو ديني أو شرعي فانظر إلى ما يترتب عليه من الغايات في جزئيات الكونيات والدينيات متعرفاً بها من النقل الصحيح نحو قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ عَايَنَا﴾ [الإسراء: 1] في حكمة الإسراء، وبملاحظة هذا القانون يتضح كثير من الإشكال، ويطلع على لطف ذي الجلال).
بل إن أحد كبار الشافعية وهو أبو الحسين بن القطان اختار: أن الأحكام جميعها إنما تثبت بالعلة، إلّا أن منها ما يقف على معناه، ومنها ما لا يقف وليس إذا خفيت علينا العلة أن يدل على عدمها»، وقريب منه اختاره الحافظ ابن الصلاح الشهرزوري
(7)
(1) يراجع: البحر المحيط (122/ 5 - (131). وجموع الفتاوى (38/ 8 (89). ومنهاج السنة (455/ 1). ومدارج السالكين (117/ 1).
وشرح الأصول الخمسة، ص 509 والأحكام للآمدي (76/ 8).
(2) الأحكام للآمدي (79/ 3) والفصل لابن حزم (210/ 3). نقله عنه الزركشي في البحر المحيط (122/ 5). (4) المصدر السابق (124/ 5).
(3)
(5) المصدر السابق (123/ 5).
(6) البحر المحيط (124/ 5).
(7) المصدر السابق (126/ 1).