النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

275

وقد ختم الزركشي تحقيقه بإثبات أن الحكم لا يثبت إلّا لمصلحة إما جوازاً، أو وجوباً ..... والخلاصة: أننا إذا استبعدنا البعد الفلسفي فإن الفقهاء والأصوليين يكادون يجمعون على أن أفعال الله تعالى مرتبطة بالمصالح، وأن أحكامه معللة بعلل، ولكنهم حرروا محل النزاع، بأن العلة التي يقصدونها العلة بمعنى (المعرفة) وليست الموجبة على الله تعالى) و (الباعثة على فعل المكلف) وليست (الباعثة لله تعالى إضافة إلى اتفاقهم على ربط الأفعال بالحكم. وبهذا المعنى حفظ مقام الذات العلية (الله) مما لا يليق بذاته من فرض شيء عليه، فهو لا يسأل عما يفعل، وحفظ كذلك مقام صفاته وإرادته وعلمه وخلقه من العبث، وعدم كما ـ أقول دائماً - موزع على ميزانين ميزان الألوهية القائم على التنزيه والعلو، وميزان الخلق القائم على الحكم والمصالح التي جرت سننه تعالى أيضاً بذلك، فهو الحكيم الذي اقتضت سننه إلّا أن يفعل ما فيه الحكمة بمحض إرادته وفضله ولطفه ومنه وكرمه فقط.

الحكمة، وهذا

إن التعليل في حقيقته ليس الركن الجوهري في القياس فحسب، بل هو الأساس للتفكير التشريعي، فهو في حقيقته استجلاء لمراد الشارع من الحكم، وطريق كاشف عن طابع معقولية الأحكام من قبل أن الله تعالى ذكر السبب المعرف للحكم، فالتعليل في القياس يوسع دائرة اللفظ (الأصل) من مدلول خاص إلى مدلول عام وواسع، فالخمر بعد اعتماد علتها (الإسكار) لم تعد بمعناها الخاص بشراب معين، إنما تحولت إلى لفظ (مسكر)، فكأننا بالله تعالى قال: «إنما المسكر … »، وكذلك الحال في النهي عن الربويات الست المذكورة في الأحاديث الصحيحة حيث يصبح بعد القياس، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الطعام بطعام مثله إلّا يداً بيد … ولا تبيعوا الثمن طلقاً بثمن مثله إلّا يداً بيد، وإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيفما شئتم إذا كان يداً بيد».

وكذلك الحال في مقاصد الشريعة العامة، أو الخاصة بكلّ عقد، فإنها تصبح علة لمشروعية الشيء المراد، أو علة لمنعه، فتصبح مخصصة للدليل، فالمقاصد إذاً ـ كما سبق ـ هو المنهج الذي يجب تحقيقه، والمسلك الذي يجب اتباعه عند إصدار الأحكام والفتاوى، وهي في حقيقتها بمثابة العلة المخصصة، أو المانعة.

ففي ضوء مقاصد الشريعة امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين المرتدين؛ لأنَّ قتلهم لن يحقق الغرض المنشود، بل يحقق عكس مقاصد الشريعة في نشر رسالة الرحمة بين الناس، حتّى لا يقال: «إن محمداً يقتل أصحابه».

(1) المصدر السابق (128/ 5).

(2) المقاصد لابن عاشور، تحقيق الدكتور الحبيب ابن الخوجة، طبع على نفقة أمير دولة قطر (47/ 2).