النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٦276
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وبناء على مقاصد الشريعة وفقه التنزيل لم يطبق الخليفة الراشد عمر له آيات السرقة في قطع اليد في عام المجاعة؛ لأنَّ مقاصد الشريعة في الحدود هي الجزاء والردع جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ [المائدة: 38]، فالذين سرقوا في عام المجاعة كانوا يسرقون لسد الرمق والحفاظ على النفس، إذا انقلب المقصد، وانعكست الآية، فلم يقطع يد السارق).
مثل
وكذلك الحال في فتوى عمر في المؤلفة قلوبهم، حيث رأى عمر أن مقصد الشريعة في دفع الزكاة لهؤلاء هو لتأليف القلوب، وتقوية الإسلام في نفوسهم، وحتّهم على الثبات عليه، أو الدخول فيه، حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما بسندهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أناساً يوم حنين الأقرع، وأبي سفيان، وصفوان - لم يسلم بعد - لتأليف قلوبهم، فالمقصد الشرعي في ذلك هو: تأليف القلوب، وتقوية الإسلام في نفوسهم، ولما رأى عمر هؤلاء الذين أخذوا في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عصر أبي بكر انه قد استغلوا ذلك قطع عنهم العطاء)، فليس من مراد الآية أن يظل من كان مؤلفاً في عصر يظل مؤلفاً في غيره من العصور، إذاً فإن مقاصد الشريعة في التأليف إذا لم تتحقق بسنة أو أكثر فهذا يعني أنه لم تتحقق فعلاً، وبالتالي فلا يستحق الدفع إليه، ولا سيما فإن الله قد أعز الإسلام فلم يعد بحاجة إلى تأليف هؤلاء.
(4)
وكذلك فتوى عمر في قسمة الأرض المفتوحة، حيث طبق مقاصد الشريعة في آيات الغنيمة التي تدل بظاهرها على أنها توزع بين الغانمين ما عدا خمسها، فقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُمْسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ﴾ [الأنفال: 41]، وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر على الغانمين، ولما فتح الله على المسلمين في عهد عمر سواد العراق، وغيره طالب بعض الصحابة بتقسيمه على الغانمين، فامتنع عمر ومعه جمع من الصحابة، وقال: «لولا آخر الناس لقسمت الأرض، كما قسم النبي الله خيبر»)، فأبقى الأرض بأيدي أصحابها مع إبقاء ملكيتها للدولة الإسلامية ليظل خرجها مصدراً لها وللأجيال اللاحقة، حيث استشهد بآيات الحشر (الآيات 7 - 10). فمقاصد الشريعة في ترك جزء من الثروة للأجيال اللاحقة، والحفاظ على قوة المجاهدين انشغالهم بالزراعة والأرض، وتضمين مصدر دائم لدخل الدولة والحفاظ على خبرة
وعدم
(1) انظر: الأموال لأبي عبيد، ص 374.
(2) انظر لنص الروايات: صحيح البخاري - مع الفتح - كتاب المغازي (488 - 55) ومسلم (838/ 2 - 839). (3) الدر المنثور (252/ 3). وتفسير الطبري (113/ 10). والسنن الكبرى (19/ 7 - 21).
(4) الشيخ القرضاوي: فقه الزكاة (601/ 2).
(5) الأموال لأبي عبيد، ط، قطر، ص 67.
(6) رواه البخاري في صحيحه - مع الفتح، (490/ 7).