النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٧٨278
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
وبناء على هذا المعيار (الوجود والسلب) بعنصريه فإن هناك - في نظري ـ أمرين آخرين لا يقلان أهمية عن الأمور الستة السابقة وبخاصة في عالم الاقتصاد، ويتوافر فيهما العنصران المذكوران لمعاير الضرورات، وهما:
أولاً: حفظ أمن المجتمع، أمنه السياسي، وأمنه الاجتماعي، وأمنه الاقتصادي، وأمنه البيئي، وهو الذي من الله تعالى به على عباده فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفِ} [قريش: 3، 4، حيث شرع الله تعالى أعظم الحدود وأشدها على الإطلاق في حالة الاعتداء عليه وهو حد الحرابة، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
فالآية تدل بوضوح على محاربة من يعتدي على أمن المجتمع، ويسعى لنشر الفساد في الأرض، سواء كان هذا الفساد يخص الإنسان أو الحيوان، أو البيئة، فهو فساد مطلق شامل لكل ما ينطبق عليه الفساد، بل إن الله تعالى قيده في آية أخرى بالفساد في الأرض والإهلاك الحرث والنسل، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].
بل إن الآيات القرآنية الواردة في خطورة الفساد في الأرض وآثاره المدمرة أكثر من أن تحصى في هذه العجالة، منها قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ﴾ [محمد: 22، 123، بل إن الله تعالى حرم الجنة أيضاً على هؤلاء المفسدين فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
إذاً فحفظ أمن المجتمع ودرء الفسـ اد في الأرض ضرورة من الضروريات على ضوء المعيار
الذي وضعه الفقهاء.
ثانياً: حفظ أمن الدولة العادلة، حيث أمر الله تعالى بحفظه وشرع لذلك وجوب البيعة، وحرمة الخروج على السلطان المسلم العادل، كما وضع الله تعالى لحمايته حدا وهو حد البغي، إضافة إلى تحريم الاعتداء عليه، ووجوب حمايته، فقال تعالى: ﴿وَإِن طَابِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثَهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9]، ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: « … ومن بايع
(1) يراجع لمزيد من التفصيل: عبد القادر عودة: التشريع الجنائي الإسلامي، ط دار التراث (632/ 2 ........ ).