النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

286

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

القصد

والخلاصة: إن الفقه الإسلامي - كمبدأ عام - إذا ثبت لديه بدليل واضح عدم وجود والرضا، فإن التعبير في نطاق العقود ولا سيما المالية يكون لاغياً أو فاسداً، كما أن الفقه الإسلامي لا يُرَتِّبُ الأحكام إلّا إذا صاحب القص تعبير عن الرضا من قول أو فعل، أو سكوت غير أن الإمام مالكاً والزهري وابن سيرين قد ذهبوا إلى الاعتداد بالنسيئة المصاحبة للكلام النفسي بالنسبة للطلاق والرجعة)، وهذا الحكم خاص بالطلاق والرجعة، وكما أنه يمكن إدخاله في ضمن السابق من خلال أنهم لم يعتدوا بالنيَّة المجردة، وإنما اعتدوا بالكلام النفسي الذي هو عمل من الأعمال وداخل في الكلام، فربَّما أنهم وسعوا مفهوم الظلام ليشمل اللفظي والنفسي، كما هو اتجاه جماعة من النحاة وأهل الكلام.

المطلب الثاني: مدى الاعتداد بالقصود الباطنة والبواعث في العقود المراد بالقصد هنا النية والباعث من فعل الشيء، بأن يقصد بإنشاء عقد ـ مثلاً ـ الوصول إلى مآرب غير مشروعة ما كان ليصل إليها إلّا تحت مظلة هذا العقد الظاهر، وهذا هو المقصود بالقاعدة الجارية على ألسنة الفقهاء القاضية بأن الأمور بمقاصدها، قال ابن نجيم - من تطبيقاتها: «إن بيع العصير ممن يتخذه خمراً إن قصد به التجارة فلا يحرم وإن قصد به لأجل التخمير حرم، وكذا غرس الكرم … وعلى هذا عصير العنب بقصد الخلية، أو الخمرية، والهجر فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قصد هجر المسلم حرم وإلّا فلا … ». فالمراد بالقصد هنا ليس القصد الذي هو جزء من حقيقة الرضا والذي فسرناه بالعزم على فعل الشيء، وإنما المراد به هنا القصد من فعله، والغرض الذي وراءه هل هو الخير أم الشر - أي النية - قال الشاطبي: «إن المقاصد المتعلّقة بالأعمال ضربان ضرب هو من ضرورة كل فاعل مختار … فإن كل فاعل عاقل مختار إنما يقصد بعمله غرضاً من الأغراض … فلو فرضنا العمل مع عدم الاختيار كالملجأ والنائم والمجنون وما أشبه ذلك فهؤلاء غير مكلفين، فلا يتعلق بأفعالهم مقتضى الأدلة السابقة، فليس هذا النمط بمقصود للشارع، فبقي ما كان مفعولاً بالاختيار، لا بد فيه من القصد.

والضرب الثاني: ليس من ضرورة كل فعل، وإنَّما هو من ضرورة التعبديات من حيث هي تعبّديات، فإنَّ الأعمال كلها الداخلة تحت الاختيار لا تصير تعبدية إِلَّا مع القصد إلى ذلك … ، وأما العاديات فلا تكون تعبديات إلا بالنيات … » (3). فالضرب الأول وهو قصد الشيء واختياره

(1) المصدر السابق، (1023/ 2).

(2) المصدر السابق (212/ 1). وقد ذكرنا فيه قول الشاعر بهذا الخصوص:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما

(3) الموافقات (327/ 2 - 328).

جعل اللسان على الفؤاد دليلاً