النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

291

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

الأمر الثاني: دور القصد غير المشروع في العقود

وذلك بأن يعقد العقد في الظاهر للوصول من خلاله إلى تحليل الربا، أو تحليل المرأة المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول، أن يبيع العنب لخمّار بقصد معاونته على إنتاج الخمر، أو السلاح لقطاع الطريق والمفسد في الأرض بقصد إعانته على أداء مقاصده الشريرة، أو نحو ذلك، فهل هذا القصد غير المشروع والغرض الحرام له دور في أن يجعل العقد الذي صاحبه باطلاً أم لا؟ ونحن هنا نذكر أهم صوره التي تتجلى في نوعين:

النوع الأول: العقود التي يراد بها الوصول إلى الربا:

بيع

، وهو

وهي لها صور كثيرة من أهمها بيوع الآجال، ومنها العينة)، أن يبيع شخص لآخر سلعة بمائة دينار نسيئة مثلاً، ثمَّ يشتريها منه بأقل منها نقداً، فالبيعتان صحيحتان بحسب الظاهر، لكن مقصود البائع من هذه العملية هو الوصول إلى الربا تحت مظلة العقد، يقول صاحب الفتاوى الهندية: «اختلف المشايخ في تفسير العينة التي ورد النهي عنها؛ قال بعضهم: تفسيرها أن يأتي الرجل المحتاج إلى آخر ويستقرضه عشرة دراهم، ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعاً في الفضل الذي لا يناله في القرض، فيقول: ليس يتيسر علي الإقراض، ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهماً وقيمته في السوق عشرة لتبيع في السوق بعشرة، فيرضى بها المستقرض فيبيعه المقرض منه باثني عشر درهماً، ثمَّ يبيعه المشتري في السوق بعشرة ليحصل لربّ الثوب ربح درهمين بهذه التجارة، ويحصل للمستقرض قرض عشرة. وقال بعضهم: تفسيرها أن يدخلا بينهما ثالثاً فيبيع المقرض ثوبه من المستقرض باثني عشر درهماً ويسلم إليه، ثمَّ يبيع المستقرض من الثالث الذي أدخلاه بينهما بعشرة، ويسلم الثوب إليه ثمَّ إن الثالث يبيع الثوب من صاحب الثوب وهو المقرض بعشرة، ويسلم الثوب إليه ويأخذ منه العشرة ويدفعها إلى طالب القرض فيحصل لطالب القرض عشرة دراهم ويحصل لصاحب الثوب عليه اثنا عشر درهماً) (2). وفي نظري أن بيع العينة أو الأجل يشمل هذا وذاك، فسواء تمت العملية باثنين أو بثلاثة أو بيع بأكثر ما دامت العين المباعة تعود إلى البائع، فالنية المبيتة لإتمامها هو الوصول إلى الربا حيث يفيد المقرض درهمين - مثلاً - من هذه العملية (3)، ولهذا سمى ابن رشد وغيره هذه المسائل ببيوع

(1) العينة - بكسر العين - من العين بمعنى النقد فيقال: اعتان الرجل أي اشترى الشيء بالشيء نسيئة، وفي عرف الفقهاء هي ما ذكرناه، ووجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي هو أن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عيناً: أي نقداً حاضراً. يراجع المصباح المنير (92/ 2). والقاموس المحيط (253/ 4 - (255). ومبدأ الرضا في العقود. (2) الفتاوى الهندية (208/ 3).

(3) ويراجع في تفصيل هذه المسألة: فتح القدير (207/ 5). وبداية المجتهد (140/ 2 - (142). والشرح الكبير مع الدسوقي (76/ 3 - 88 - 91). والأم (34/ 3 (68). والروضة (416/ 3). والمغني لابن قدامة (193/ 4). ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (430/ 29 - 431).