النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

293

|

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

تحرير محل النزاع مع الأدلة والمناقشة والترجيح:

لا خلاف بينهم في حرمة هذه البيوع إذا أراد أصحابها منها الوصول إلى الربا، وإنما الخلاف في الصحة والفساد، كما أن هذا الخلاف فيما لو أدت هذه البيوع إلى الربا، إما إذا لم يتحقق ذلك بأن اشتراه المقرض في المرة الثانية بنفس الثمن فلا خلاف في صحته، كما أن الخلاف في ما إذا لم يذكر شرط إجراء البيع الثاني في البيع الأول، أما إذا ذكر هذا الشرط في صلب العقد الأول بأن قال: بعتك هذا الثوب بعشرة على أن تبيعه بثمانية فالعقد باطل).

استدل القائلون بصحة بيوع الآجال والعينة بالكتاب والسُّنَّة والآثار، والقياس.

أما الكتاب: فهو الآيات الواردة بخصوص وجوب الوفاء بالعقود التي تتم بالإيجاب وحده، أو القبول مع توفر شروطه وأركانه، وأن بيوع الآجال قد تحققت معها هذه الشروط فيجب الوفاء، وليس في الآيات ما يشير إلى وجوب الكشف عن نية العاقد وغرضه ما دام الظاهر مشروعاً، ثمَّ إن الله تعالى وضع عن هذه الأمة الحرج والمشقة، ولم يكلفها إلّا بما يسعها. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقد ورد سبب نزولها في أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا حينما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: 284]. قال ابن عباس: فنزل عليهم قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]، أي من القول والعمل، وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد ولا يقدر عليه أحد» (2).

«إن

(3)

وأما السُّنَّة: فمنها ما رواه الشيخان في صحيحيهما، وغيرهما بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم، فهذا الحديث ظاهر في عدم المعاقبة والمؤاخذة على الأمور الباطنية ما دامت لم تظهر بالفعل، أو القول. وأيضاً فإن رسول الله الله لم يحكم في قصَّة المتلاعنين بالباطن ونفس الأمر، بل حكم على

(4)

(1) يراجع في تفصيل مسألة العينة: فتح القدير مع شرح العناية (208/ 5). والفتاوى الهندية (208/ 3). وبداية المجتهد (140/ 2). وشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (76/ 3). والخرشي على المختصر (105/ 5). والأم (34/ 3 (68). والروضة (416/ 3). والمجموع (374/ 9). والمغني لابن قدامة (62/ 4، (193) ومجموعة فتاوى شيخ الإسلام (30/ 29). وأعلام الموقعين (128/ 3). (2) أحكام القرآن للشافعي (42/ 1). وتفسير القرطبي (420/ 3 … ).

(3)

صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطلاق (388/ 9) ومسلم، كتاب الإيمان (116/ 1). ومسند أحمد (255/ 2). (4) وهي: أن هلال بن أمية قذف زوجته بشريك بن السمحاء، فنزلت الآيات التي بينت أحكام الملاعنة في سورة النور، وهذه القصة صحيحة متفق عليها حيث رواها البخاري في صحيحه مع الفتح (283/ 5 455/ 9) ومسلم في صحيحه (1134/ 2). وأحمد في مسنده (273/ 1). وأبو داود في سننه مع العون. (341/ 6) والترمذي في سننه مع التحفة (26/ 9). والنسائي في سننه (141/ 6). وابن ماجه في سننه (661/ 1).