النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٩٤

294

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

ضوء الظاهر، فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن جاءت به هكذا فهو للذي يتهمه» فجاءت به على الصفة، وقال: «إن أمره لبيّن لولا ما حكم الله» (1).

قال الشافعي: «منها - أي من الأمور التي تؤخذ من هذه القصة - أن الله تعالى أمره أن يحكم على الظاهرة، ولا يقيم حداً بين اثنين إلّا به .... فإذا كان هذا هكذا في أحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من بعده من الولاة أولى أن لا يستعمل دلالة ولا يقضي إلّا بظاهر أبداً … فلم يستعمل عليها ـ أي على المرأة المتلاعنة الدلالة وأنفذ عليها ظاهر حكم الله تعالى».

-

وأيضاً إن أمر المنافقين كان بيّناً بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان قد حقن دماءهم وأموالهم بما أظهروا من الإسلام، وأجرى عليهم أحكام الإسلام المبنية على الظاهر، حيث أقرهم على المناكحة والموارثة بينهم وبين أهلهم المسلمين (3)، قال الشافعي: وهذا يوجب على الحكام ما وصفت من ترك الدلالة الباطنة والحكم بالظاهر من القول أو البينة … » (4)، وقد أوضح ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بما ليس بعده من الوضوح في الدلالة على وجوب الحكم بالظاهر حيث يقول: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» (5). فقد أخبر أنه يقضي على الظاهر من كلام الخصمين لا على الباطن والخفايا.

وأما الأثر: فهو ما روي عن زيد بن أرقم: أنه يرى جواز بيع العينة، بل هو طبقه فعلياً). وأما المعقول: فهو أن بيع العينة عقد توافرت فيه شروطه وأركانه، فلا بد من القول بصحته؛ لأن مبنى هذه الأمور على الظاهر، وأن الله وحده هو الذي يتولى السرائر، ويجازي على حسب النيات والبواعث.

ومن جهة أخرى لو فتح هذا الباب لأدى إلى الفوضى والاضطراب وكثرة التنازع، والطلب في الإلغاء بحجة أن نيته غير مشروعة، فمثل هذه الأمور ينبغي ألا تبحث على نطاق العقود، بل على نطاق المجازاة الأخروية، يقول الإمام الشافعي: «أصل ما أذهب إليه: أن كل عقد كان صحيحاً في الظاهر لم أبطله بتهمة ولا بعادة بين المتبايعين وأجزته بصحة الظاهر، وأكره لهما النية إذا كانت النية لو أظهرت كانت تفسد البيع وكما أكره للرجل أن يشتري السيف على أن يقتل به

(1) الرسالة، للشافعي، ص 149. والأم (114/ 5).

(2) الأم (113/ 5 - 114). (3) المصدر السابق (114/ 5). (4) المصدر السابق نفسه.

(5) الحديث رواه البخاري في صحيحه مع الفتح (157/ 13) ومسلم (1337/ 3). وأحمد في مسنده (316)

(6) يراجع الأم (68/ 3).