النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٢٩٥نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
295
ولا يحرم على بائعه أن يبيعه ممن يراه أنه يقتل به ظلماً؛ لأنَّه قد لا يقتل به، ولا أفسد عليه هذا البيع … »)، وذكر أيضاً أَنَّ القياس مع القول بصحة بيع العينة قائلًا: «فإن قال قائل: فمن أين القياس مع قول زيد؟ قلت: أرأيت البيعة الأولى أليس قد ثبت بها عليه الثمن تاماً؟ فإن قال: بل، قيل: أفرأيت البيعة الثانية أهي الأولى؟ فإن قال: لا، قيل: أفحرام عليه أن يبيع ماله بنقد، وإن كان اشتراه إلى أجل؟ فإن قال: لا إذا باعه من غيره، قيل: فمن حرمه منه؟ (2)، فعلى ضوء هذا فإنَّ الإمام الشافعي ومن معه في هذه الاتجاه يرون أن الواجب تطبيقه هو كل ما يتعلق بالظاهر، أما قضية النية والباعث فهي ترجع إلى الأمور الأخروية؛ فالحكم على ضوء هذا الباطن - في نظرهم - أمر مخالف لكتاب الله وسنة رسوله، وللقياس الصحيح.
واستدل القائلون بعدم صحة بيع العينة بما يأتي:
سنده
أولاً: ما رواه أحمد وأبو داود والطبراني، بسندهم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزال الله بهم بلاء فلا يرفعه حتَّى يراجعوا دينهم (3)، وقد صحح هذا الحديث ابن قطان، وقال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام ورجاله ثقات، وقال في تلخص الحبير: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول؛ لأنَّه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحاً؛ لأنَّ في الأعمش، وهو قد دلس حيث ذكره عن عطاء من دون تعيينه، هل هو عطاء الخرساني الذي فيه مقال، أو عطاء مولى ابن عمر؟)) (4)، غير أن كثرة طرقه يعضد بعضها بعضاً (5)، ووجه الاستدلال بهذا الحديث ظاهر حيث جعل التبايع بالعينة من أسباب نزول العذاب، وما ذلك إلّا لحرمته وكونه رباً؛ إذاً فلا هذا العقد.
يصح
ثانياً: ما رواه البيهقي والدارقطني بسنده عن أبي إسحاق: أَنَّ امرأته دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعت غلاماً من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقداً، فقالت لها عائشة: بئس ما اشتريت وبئس ما شريت، أبلغي زيداً أَنَّ جهاده مع رسول الله قد بطل إلّا أن يتوب). وجه الاستدلال به هو: أَنَّ عائشة ما إن
لم تسند الكلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مثل هذه العقوبة الشديدة لا تستطيع الجزم بها إلّا إذا كانت
(1) الأم (65/ 3).
(2) المصدر السابق (69/ 3).
(3) الحديث رواه أحمد في مسنده (84/ 2). وأبو داود في سننه مع العون، كتاب البيوع (355/ 9).
(4) يراجع: تلخيص الحبير (19/ 3). ونيل الأوطار (362/ 6). (5) نيل الأوطار (363/ 6).
(6) السنن الكبرى للبيهقي (330/ 5). وسنن الدارقطني (311/ 2).