النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٩٨

298

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وقد أجاب الشافعي عن هذه المناقشة بخصوص هذا الأثر: بأن قول زيد أرجح من قولها؛ لأن القياس يعضده؛ لأنَّ بيع العينة عقد توفرت فيه شروطه وأركانه؛ فينبغي القول بصحته، ويمكن الجواب عنه بأنه لا قياس مع النص.

ومن جهة أخرى: فإنه لما نقل عن زيد أنه قال بجواز بيع العينة أو أفتى به يقول ابن القيم: «ولا يقال زيد من الصحابة وقد خالفها ـ أي خالف عائشة ـ لأن زيداً لم يقل: هذا حلال، بل فعله، وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو أو غفلة، أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيراً ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نبه له انتبه، ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفيها وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك» (2).

أَنَّ

وأما الجواب عن دليلهم العقلي: فيكمن في بيع العينة - وإن سلمنا أنه قد توفرت فيه أركانه وشروطه - لكننا لا نسلم خلوه عن الربا، فهو موجب لها بلا شك، ولهذا إذا لم يؤد إليها كان جائزاً، والعقد المشتمل على الربا غير صحيح اتفاقاً، فبيع درهم بدرهمين باطل على الرغم من تحقق أركانه وشروطه.

وأما قضية بناء هذه الشريعة على الظاهر فمسلمة في الأمور التي لا يمكن الوصول فيها إلى الباطن ونفس الأمر، لكن بيع العينة الذي يؤدي إلى هذه الزيادة ليس من الأمور التي استأثرت بالباطن بحيث لا يمكن للقضاء الوصول إلى الباطن ونفس الأمر، فأمره مكشوف يتجلى بأدنى بحث من خلال القرائن والظروف التي تحيط به، بل مجرد عملية التعاقد الثانية شاهدة على وجود الربا فيه أم لا، بحيث إذا كان البيع الثاني بأقل من البيع الأول فقد ظهر الأمر وانكشفت الحيلة. ويمكن أن نناقش أدلة الجمهور بما يأتي:

أولاً: حديثهم الأول فيه مقال - كما سبق - والجواب عنه بأن كثرة طرقه يعضد بعضها بعضاً (8)، بل قال ابن تيمية: «إن إسناديه جيدان» (4)، بل إن هذا الحديث قد روي بسند آخر صحيح كما قال ابن قطان: «ولكن للحديث طريق أحسن من هذا، رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال: « … سمعت الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر،

رسول

(1) الأم (68/ 3 - 69).

(2) شرح ابن القيم على سنن أبي داود (343/ 9).

(3) يقول ابن القيم في شرح سنن أبي داود (341/ 9) بعد أن ذكر له إسنادين: وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر».

(4) مجموع الفتاوى (30/ 29).