النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٠١نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
|
301
فأما النقل فقد قال ابن القيم: «ثبت عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة، ثم اشتراها بخمسين فقال: دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة». وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين عن ابن عباس: أنه قال: «اتقوا هذه العينة لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة»، وقال أيضاً: «إن الله الله هذا مما يخدع. أنس، ولا يخفى أَنَّ قول الصحابي حرم رسول الله كذا، أو أمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا في حكم المرفوع اتفاقاً عند أهل العلم إلا خلافاً شاذاً لا يعتد به، ولا يؤبه له» (1).
حرم
ورسوله». وبمثله قال
فإذا كان الصحابة قد فهموا معنى بيع العينة المنهي عنه على هذا المعنى، فإن الواجب الأخذ بقولهم؛ لأنهم أعلم بمعاني النصوص من غيرهم، وبالإضافة إلى ذلك فإذا العرف يشهد على أن بيع العينة وسيلة إلى الربا، بل قد علم الله تعالى وعباده قصد المتبايعين لم يعقدا على السلعة عقداً يقصدان به تملكها ولا غرض لهما فيها بحال، وإنما الغرض والمقصود هو الوصول إلى مائة بمائة وعشرين، وما إدخال تلك السلعة بينهما في الوسط إلّا تلبيس وغش وخدعة بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في النفسه، بل جيء به لمعنى في غيره، حتَّى لو كانت السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمن، أو لم تساو لم يبالوا بجعلها مورداً للعقد؛ لأنَّهم لا غرض لهم فيها سوى جعلها واسطة ووسيلة للهدف المطلوب وأهل العرف يعرفون ذلك لا يكابرون أنفسهم في هذا).
ثمَّ إن هذه العملية ليست من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها أحد، بل هي مكشوفة يظهر حتّى للأجنبي المشاهد للمتبايعين قصدهما ونيتهما، بحيث يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة، وإنما القصد الأول والأخير هو مبادلة مائة بمائة وعشرين درهماً مثلاً، فضلاً عن علم المتعاقدين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثمَّ يحضران تلك السلعة محللاً لما حرم
الله
ورسوله.
ثم إن الكتاب، والسُّنَّة، والفطرة والمعقول لتدل بوضوح على أن الوسيلة إلى الحرام حرام، فإن الله تعالى قد مسخ اليهود قردة خاسئين، ولعنهم لعناً كبيراً؛ لأنهم احتالوا على عدم الاصطياد في يوم السبت، حيث حفروا الأحواض حتَّى تبقى فيها الأسماك ليصطادوها بعد السبت، قال تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَسِنِينَ} [البقرة: 65]، كما ذكرنا أَنَّ السنة قد بينت حيلة أخرى لهم أدت إلى لعنهم وبعدهم عن الله تعالى.
بالإضافة إلى الأدلة الخاصة من السُّنَّة على تحريم بيع العينة يقول ابن القيم: «فهذه أربعة
(1) شرح الحافظ ابن القيم على سنن أبي داود (338/ 9) مع اختصار. (2) شرح ابن القيم على سنن أبي داود (339/ 9).
(3) ويراجع: تفسير بحر المحيط (147/ 1).