النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

303

نكاح المحلل صحيح، في حين ذهب المالكية والحنابلة (2) والزيدية (3) والإباضية (4) إلى أنه

باطل.

الأدلة والمناقشة والترجيح

استدل القائلون بصحة نكاح المحلل بأنه عقد فيه أركانه وشروطه فيجب القول بصحته؛ لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على وجوب الوفاء بالعقود، ثمَّ إن النية والقصود من الأمور الباطنة التي لا يؤاخذنا الله تعالى بها، كما دلّت على ذلك السنة المشرفة)، يقول الإمام الشافعي: وذلك أن يقول الرجل للمرأة نكحتك حتَّى أصيبك فتحلين لزوج فارقك ثلاثاً، أو ما أشبه هذا مما لا يكون فيه النكاح مطلقا لازماً على الأبد، أو يحدث لها فرقة … غير أنهما إذا عقدا النكاح مطلقاً لا شرط فيه فالنكاح ثابت، ولا تفسد النية من النكاح شيئاً؛ لأن النية حديث نفس، وقد وضع عن الناس ما حدثوا به أنفسهم، وقد ينوي الشيء ولا يفعله، وينويه ويفعله، فيكون الفعل حادثاً غير النية، وكذلك لو نكحها ونيته ونيتها أو نية أحدهما دون الآخر أن لا يمسكها إلا قدر ما يصيبها فيحللها لزوجها ثبت النكاح، وسواء نوى ذلك الولي معهما أو نوى غيره أو لم ينوه .... لا معنى له أن يفسد شيئاً ما لم يقع النكاح بشرط

يفسده» (6).

والخلاصة أن الإمام الشافعي ومن معه ينظرون إلى العقد نفسه، فما دام العقد خالياً عن الشروط المفسدة فإن العقد صحيح حتَّى ولو كانت بينهما، مراوضة، فوعدها إن نكحها أن لا يمسكها إلّا أياماً، فما دام العقد خالياً عن هذا الشرط كان النكاح صحيحاً لا تؤثر فيه النية؛ لأنهما مما الله عنها المؤاخذة.

رفع

وقد دلت على هذا بعض الآثار عن الصحابة والتابعين، قال الشافعي: «وقد أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن سيف بن سليمان عن مجاهد قال: طلق رجل من قريش امرأة له فبتها، فمر بشيخ وابن له من الأعراب في السوق قدما بتجارة لهما، فقال للفتى هل فيك من خير؟ ثم مضى عنه ثمَّ كرّ عليه فكمثلها … فقال نعم قال: فأرني يدك، فانطلق به فأخبره الخبر وأمره بنكاحها فنكحها فبات معها، فلما أصبح استأذن فأذن له، فإذا هو قد ولاها الدبر، فقالت: والله لئن طلقني

(1) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (258/ 2).

(2) المغني لابن قدامة (275/ 7).

(3) الروض النضير (389/ 4).

(4) يراجع: المصادر السابقة، والنيل وشفاء العليل (72/ 1).

(5) وهو حديث: «إن الله تجاوز عن أمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل او تتكلم به» سبق تخريجه.

(6) الأم (71/ 5 - 72).