النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨308
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
عثمان بن سعيد، وابن معين أعلم بالرجل من ابن حبان، قلت: وهو صدوق عن الحفاظ لم يتهمه أحد البتة، ولا أطلق عليه أحد من أهل الحديث قط أنه ضعيف، ولا ضعفه ابن حبان، وإنما يقال:
"
يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابع عليها، فالصواب ترك ما انفرد به وانفرد ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه)، ثمَّ أجاب ابن القيم عن كل الوجوه التي وجهت إلى هذا الحديث وخرج منها بأن الحديث صالح للاحتجاج به، فقد دافع هو وأستاذه عن هذا القول بقوة، ونافحاً في سبيله بكل الأدلة، ثمَّ إن الحديث الثاني سلم من العلل حيث صححه الحاكم، وغيره.
وقد حاول القائلون بصحة عقد التحليل أن يحملوا هذه الأحاديث على محامل لا يترتب عليها القول بالفساد فقالوا: سلمنا بصحتها لكنها لا تدل على عدم صحة نكاح المحلل، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أن هذه الأحاديث لا تدل على أكثر من أن نكاح التحليل محرم، ولا يترتب على
ذلك
عدم
الصحة.
الوجه الثاني: أن في الحديث دلالة على صحة عقد التحليل، حيث سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الزوج الثاني بالمحلل، وهو يعني أن يحلل المرأة لزوجها الأول، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد سماه المحلل فلا يبقى يسميه به، فالمراد بالمحلل إذاً: مثبت الحل (3)، والجواب عن الوجه الأول من
للخصم حجة في
وجهين
ألا
الوجه الأول: إن ما قالوه فيه ليس محل الاتفاق، فقد ذهب جماعة من الأصوليين - كما سبق - إلى أن النهي يقتضي الفساد ولا سيما في النكاح، والدليل يجب أن يكون محل اتفاق بين الفريقين. الوجه الثاني: إنَّ الأحاديث لا تدل على الحرمة فقط بل دل الحديث الثاني الذي ذكرناه على أنه سفاح، فلا أظن أنَّ أحداً ينكر القول بعدم صحة شيء يسمى السفاح، ثم إن النكاح نعمة فلو كان صحيحاً لما استوجب اللعنة.
وأما الجواب عن الوجه الثاني: فالمراد بالمحلل هنا هو الذي يظن أنه محلل مع أنه في الواقع ليس بمحلل، أو أن المراد به شرط الحل لفظاً أو قصداً، وذلك لأن المحلل على ما ذكروه لا يكون مستوجباً للعنة في بعض الصور، فالرجل الذي زوجها عن رغبة لا عن شرط ملفوظ أو مقصود ثمَّ طلقها فقد أثبت الحل لزوجها الأول، مع أنه لا تشمله اللعنة بالإجماع 4).
(1) أعلام الموقعين. (45/ 3) ويراجع: مجمع الزوائد.
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (155/ 32)، حيث حكم بصحة هذين الحديثين اللذين ذكرناهما. ويراجع: أعلام الموقعين
(47 - 45/ 3)
(3) فتح القدير (179/ 3). وقال الزيلعي في نصب الراية (220/ 3): (ولكن يقال لما سماه محلالا دل على صحة النكاح، لأن المحلل هو المثبت للحل، فلو كان فاسداً لما سماه محلالاً».
(4) ويراجع: تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي (265/ 4).