النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

309

فالراجح

والذي يظهر لنا رجحانه: أن عقد النكاح إذا اشترط فيه أن يكون للتحليل، أو أن يطلقها ليزوجها الزوج الأول فالنكاح باطل، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء إلا الحنفية، وإن لم يشترط فيه ذلك لكن تبين قصد التحليل بشكل واضح من خلال الظروف والملابسات والقرائن التي تحيطه؛ أيضاً أنَّ العقد باطل، وهذا ما عليه الصحابة والتابعون وهو مذهب أكثر العلماء كما سبق، يقول ابن تيمية: وقد اتفق أئمة الفتوى كلهم أنه إذا شرط التحليل في العقد كان باطلاً، وبعضهم لم يجعل للشرط المتقدم ولا العرف المطرد تأثيراً»، وجعل العقد مع ذلك كالنكاح المعروف نكاح الرغبة، وأما الصحابة والتابعون وأكثر أئمة الفتوى فلا فرق عندهم بين هذا العرف واللفظ، وهذا مذهب أهل المدينة وأهل الحديث وغيرهما، والله أعلم، فلا شك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف بمعاني الألفاظ الواردة في ذلك صريحة في الدلالة على إبطال هذا العقد.

ومن جهة ثانية، إن نكاح التحليل يتفق مع مقاصد الشريعة من الزواج الذي يستهدف السكنى إليها، وان كلا الزوجين لباس للآخر يستره ويحميه، فما زواج التحليل إلّا حيلة يقصد منها المتعاقدان تفادي حكم شرعي فهو زواج موقت لأجل غرض غير شريف، يتم بشكل تستنكف منه النفوس الطيبة وتستنفر منه العقول السليمة، فما أصدق تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم المحلل بالتيس المستعار، فلا تتفق دناءة النفس وخستها - بل سقوطها - وقلة الحمية والحياء التي تواكب زواج التحليل مع بناء قواعد الشريعة على القوة والكرامة وسمو النفس، ولذلك لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له (3).

يقول ابن القيم: «وأما في هذه الأزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد بل عمى في عين الدين، وشجى في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيراً ممن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب يراها المؤمنون كلهم من أقبح القبائح، ويعدونها من أعظم الفضائح … وقد ضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وقد زعم أنه قد طيبها

(1) وقد ناقشهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى (160/ 32)، بقوله: (وإذا كان كذلك فالنكاح المشروط فيه شرطاً فاسداً لم يلزم الشارع صاحبه ان يعقده من دون ذلك الشرك، وهو التزم أن يعقده مجرداً عن الشرط، فإلزامه بما لم يلتزمه هو ولا ألزمه به الشارع إلزام للناس بما لم يلزمهم في البيع بدليل قوله في الحديث الصحيح: إن أحق الشروط ان توافوا بما استحللتم به من الفروج» ثم البيع لا يجوز إلّا بالتراضي .... فالنكاح لا يجوز إلّا بالتراضي بطريق أولى والأحرى والعقد الفاسد لم يرض به العاقد إلّا على تلك الصفة فإلزامه من دون تلك الصفة إلزام بعقد لم يرض به، وهو خلاف النصوص والأصول ولهذا لا يجوز ان يلزم في البيع بما لم يرض به». (2) مجموع الفتاوى (155/ 32).

(3) جاء في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (263/ 4): (وإنما لعنهما لما في ذلك من هتك المروءة وقلة الحمية، والدلالة على خسة النفس وسقوطها، أما بالنسبة إلى المحلل له فظاهر، وأما بالنسبة إلى المحلل فلأنه يعبر عن نفسه بالوطء لغرض الغير فإنه إنما يطأها ليعرضها لوطء المحلل له».