النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣١٢312
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الخلاصة في الاتجاهات الفقهية بخصوص الاعتداد بالقصد مع التحليل والترجيح اتضح لنا من هذين المثالين اللذين أوردناهما أن هناك اتجاهين في الفقه الإسلامي بصدد مدى الاعتداد بالقصد الباطني والنية والباعث في العقود، حيث يذهب فريق من الفقهاء - منهم الحنفية والشافعية والظاهرية - إلى الاعتداد بالتعبير من دون الاعتناء بالقصود، والبواعث الباطنة، في حين يذهب اتجاه يتمثل في رأي الصحابة وجمهور التابعين وأهل المدينة منهم مالك وأهل الحديث منهم أحمد والإباضية، إلى اعتبار النيات والقصود والبواعث، كما في نكاح المحلل.
نطاق هذا الخلاف
-
(1)
هذا الخلاف في مدى دور القصد بمعنى النية والباعث لا في القصد بمعنى العزم على فعل الشيء الذي هو جزء من ماهية الرضا والإرادة والذي لا يتم الفعل المختار الحر إلّا به حيث إذا فقط لفقد الأهلية أصبح العقد باطلاً، وإذا اختل بسبب إكراه أو نحوه يكون العقد باطلاً على الراجح - كما سبق فالمراد بالقصد هنا - كما قلنا - هو النية، أي الغرض من الفعل هل هو تحقيق غرض طيب، أو سيئ؛ فمثلاً فإن العاقدين في نكاح التحليل قد قصدا إنشاء النكاح، غير أنهما قصدا بعقدهما هذا تحليل المرأة للمطلق الأول، فهذا هو المراد بالقصد هنا، وكذلك الأمر في بيع العينة، حيث توفر فيه القصد بمعنى العزم على فعل الشيء - أي تحقق فيه الرضا والإرادة - لكن قصدهما بمعنى النية والغرض كان متجهاً نحو شيء غير مشروع وهو الربا.
(2)
ولهذا فإدخال هذه الأمثلة والمسائل في نطاق عنوان الاختلاف بين الإرادة الظاهرة والإرادة الباطنة» ينأى عن الدقة ويشوبه نوع من الخلط واللبس، حيث إن هذا العنوان لا يشمل المسألة السابقة؛ لأن المراد بالإرادة غير النية والغرض والقصد من الفعل، وإنما هي قصد الفعل المتجه نحو الآثار وهو متحقق في العقدين السابقين.
الترجيح
بعدم
سبق أن ذكرنا أدلة كل القائلين بالاعتداد بالقصود والنيات والبواعث في العقود، والقائلين الاعتداد بها وإنما العبرة بالعبارة الصادرة من البالغ العاقل مع ملاحظة توفر أركان الرضا والشروط على النحو الذي ذكرناه، وقد ظهر لنا من خلال المناقشة أن أدلة الفريق القائل بعدم الاعتداد بالقصود في العقود لم تصمد أمام المناقشة والنقد، فلم تستطع أن تنهض حجة على
(1) يراجع: المصادر السابقة والنيل وشفاء العليل (72/ 1). (2) الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان في كتابه: المدخل، ص 304. (3) يراجع مبدأ الرضا في العقود، الباب الأول.