النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣١٣

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

|

313

الدعوى، ولذلك لم يبق أمامنا إلّا ترجيح الرأي القائل بالاعتداد بالقصود والنيات ما دام الوصول إلى إظهار ذلك ميسوراً، وما دام أن القرائن تظهر أن العاقدين يريدان بعقدهما الوصول إلى مآرب غير مشروعة عن طريق الحيل والخداع، فالعقود حينئذ تكون وسائل - وليست أهدافاً ومقاصد للعاقدين - للوصول إلى مقاصد غير مشروعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات».

وهنا نرى أن دور اعتبار القصود لا يقف عند هذين المثالين اللذين ذكرناهما، بل يتجاوزهما إلى كل عقد بحيث إذا أريد به تحقيق غرض غير مشروع عن طريقه، فإن هذا العقد يكون باطلاً، لكن الشرط الوحيد في ذلك هو أن يظهر هذا القصد بشكل واضح من خلال الشروط الداخلة في العقد، أو من خلال المساومة السابقة على العقد، ثمَّ جرى العقد على أساسها أو نحو ذلك، إن القصد إذا لم يظهر بأية وسيلة ممكنة فلا يمكن الحكم على العقد الذي تضمنه بالبطلان والفساد. هذا، ومن الجدير التنويه به هو أن هناك مراتب بين المذاهب التي ذكرناها، فأوسع المذاهب في الاعتداد بالقصود هو مذهب مالك، يقول القرافي: «وقسم - أي من سد الذرائع ـ اختلف فيه العلماء هل يسد أم لا، كبيوع الآجال عندنا فمالك يقول … هذه وسيلة للربا في صورة البيع، والشافعي ينظر إلى صورة العقد وهذه البيوع يقال: إنها تصل إلى ألف مسألة اختص بها مالك، وخالفه فيها الشافعي».

لا

يمكن

وأيضاً: فإن الاتجاه الذي أسندناه إلى البقية أو من معهم أو إلى المالكية ومن معهم أن يحكم عليه بأنه قاعدة كلية ليس لها استثناء، فالفروع الفقهية في كل مذهب قد يختلف حكمها عن حكم الاتجاه الذي أسندناه إليه لدليل خاص، فمثلاً أبطل الظاهرية بيع كل شيء قابل للتخمير ممن يوقن أن يعمله خمراً، كما أبطلوا بيع السلاح أو الخيل ممن يوقن أنه يحارب بها المسلمين، وبيع الدراهم الرديئة ممن يوقن أنه يدلس بها، ونحو ذلك؛ لكن ليس لأجل القصد، وإنما لأن ذلك يعتبر تعاوناً على الشر 4

(4)

(1) سبق تخريجه

ذلك

(2) فقد أبطل مالك هدية الدائن من مدينه، وحكم بعدم صحة نكاح المريض مرض الموت بقصد إدخال وارث جديد ضمن الورثة وكذا إقراره أيضاً إذا ظهر عليه سوء النية فلا يقبل، وغير ذلك. يراجع المدونة الكبرى (132/ 2) والمصادر السابقة. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (26/ 29): «أصول مالك في البيوع أجود من غيره، فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقول: هو أفقه الناس في البيوع … والإمام أحمد موافق لمالك في في الغالب، فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه حق التشدد … ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق حتى منعا الذريعة المفضية إليه وإن لم تكن حيلة، وإن كان مالك يبالغ في الذرائع ما لا يختلف قول أحمد منه أو لا يقوله، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيلة كلها».

(3) الفروق (32/ 2) باختصار.

سد

(4) المحلي لابن حزم (653/ 9)، حيث قال: والبيوع التي ذكرنا تعاون ظاهر على الإثم والعدوان … وفسخها تعاون على البر والتقوى، فإن لم يوقن بشيء من ذلك فالبيع صحيح، لأنه لم يعن على إثم».