النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣١٤314
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
والمقصود بهذا التنويه الاحتياط والتحري في إسناد الأحكام إلى صاحب أي مذهب على ضوء قاعدة عامة، فلازم المذهب ليس بمذهب)، غير أن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قد تبنيا هذه الفكرة واعتمدا على القصود والبواعث اعتماداً كبيراً، فحارباها واعتبراها حيلاً للوصول إلى مآرب غير مشروعة، يقول ابن تيمية بعد أن ذكر أنواع الحيل: فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة الله التي حرم من لجها الربا … ودلائل التحريم الحيل من الكتاب والسُّنَّة والإجماع والاعتبار كثيرة، ذكرنا منها نحواً من ثلاثين دليلاً … ». يقول ابن القيم: وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صيد البرّ لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» (3)، كيف حرم على المحرم المحل مما صاده الحلال إذا كان قد صاده لأجله؟ فانظر كيف أثر القصد في التحريم ولم يرفعه ظاهر الفعل … ؟ فهذه النصوص وأضعافها تدل على أن المقاصد تغير أحكام التصرفات من العقود وغيرها … » (4). ومسألة القصود لها علاقة وثيقة بمسألة سد الذرائع، ومعناه حسم مادة وسائل الفساد دفعاً لها … القاعدة: «أنه كلَّما اشترط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فإنها تبع له في الحكم» (5). ويقول الشاطبي: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقاً لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة … ، والمطلوب من المكلّف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأن لا يقصد خلاف ما قصد الشارع … فكل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل»، ثم ذكر أدلة كثيرة على بطلان هذه المناقضة والحيل بالآيات والأحاديث الكثيرة).
بحسب
ويقول ابن القيم: «ولما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منا إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها … فوسيلة المقصود تابعة للمقصود وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات وهي مقصودة قصد الوسائل، فإذا حرم الربّ تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له … ، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه، لكان ذلك نقضاً للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى، وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء،
(1) انظر في ذلك: مجموع الفتاوى لابن تيمية (42/ 29). (2) مجموع الفتاوى (28/ 29 - 29).
(3) الحديث رواه أصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وغيرهم انظر: سنن أبي داود مع العون (303/ 5). والترمذي التحفة (584/ 3). وابن ماجه (1032/ 2). والدارمي (369/ 1). (4) أعلام الموقعين (98/ 3).
مع
(5) الفروق (33/ 2). (6) الموافقات (331/ 2 - 335).