النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣١٥

نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار

أ. د. علي محيي الدين القره داغي

315

حسم

ثمَّ أباح له الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضاً ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال، ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها … ). ثمَّ ذكر ابن القيم تسعة وتسعين وجهاً ودليلًا على وجوب سد الذرائع، وعلى أن الوسيلة إلى المحرم محرمة، ثمَّ قال: «وتجويز الحيل يناقض سد الذرائع مناقضة ظاهرة فإن الشارع يسدّ الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة، فأين من يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرم إلى من يعمل الحيلة في التوصل إليه، فهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها تدل على تحريم الحيل والعمل بها، والإفتاء بها في دين الله، ومن تأمل أحاديث اللعن وجد عامتها لمن استحلّ محارم الله، وأسقط فرائضه بالحيل، كقوله: «لعن الله المحلل والمحلل له»، «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها)، (لعن الله الراشي والمرتشي … ).

وقد قرن بينهما - أي بين الواصلة والمستوصلة وبين آكل الربا وموكله والمحلل والمحلل له، في حديث ابن مسعود وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس، فإن هذه تظهر من الخلقة ما ليس فيها والمحلل يظهر من الرغبة ما ليس عنده وآكل الربا يستحله بالتدليس والمخادعة فيظهر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة؛ فهذا يستحل الربا بالبيع، وذلك يستحل الزنا باسم النكاح فهذا يفسد الأموال، وذاك يفسد الأنساب، وابن مسعود هو راوي هذا الحديث، وهو راوي حديث ما ظهر الزنا والربا في قوم إلَّا أحلوا بأنفسهم العقاب، والله تعالى خ الذين استحلوا محارمه بالحيل قردة وخنازير جزاء من جنس عملهم، فإنَّهم لما مسخوا شرعه وغيروه عن وجهه مسخ وجوههم وغيرها عن خلقتها، والله تعالى ذم أهل الخداع والمكر، ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأخبر أَنَّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم … وهذا شأن أرباب الحيل المحرمة، وهذه الأوصاف منطبقة عليهم، فإنَّ المخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطنه، ولهذا يقال: طريق خيدع إذا كان مخالفاً للقصد لا يفطن له، ويقال للسراب الخيدع؛ لأنَّه يخدع من يراه ويغره وظاهره خلاف باطنه … ،

(1) أعلام الموقعين (135/ 3). (2) أعلام الموقعين (135/ 3 - 159).

(3) سبق تخريجه (4) سبق تخريجه

(5) رواه الترمذي في سننه مع التحفة، كتاب الأحكام (565/ 4). وأبو داود في سننه مع العون، كتاب الأقضية (495/ 9). وابن ماجه في سننه، كتاب الأحكام (755/ 2). وأحمد في مسنده (164/ 2، 190).