النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣١٦

316

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

وتلخيص هذا أنَّ الحيل المحرمة مخادعة، الله ومخادعة الله حرام، أما المقدمة الأولى، فإنَّ الصحابة والتابعين وهم أعلم الأمة بكلام الله ورسوله ومعانيه سمّوا ذلك خداعاً. وأمَّا الثانية فإنَّ الله ذمّ أهل الخداع، وأخبر أَنَّ خداعهم إنَّما هو لأنفسهم، وإنَّ في قلوبهم مرضاً، وأنه تعالى خادعهم … فهذه الحيل وأمثالها لا يحل لمسلم أَن يفتي بها في دين الله تعالى، ومن استحل الفتوى بهذه فهو الذي كفره الإمام أحمد وغيره من الأئمة حتَّى قالوا إن من أفتى بهذه الحيل فقد قلب الإسلام ظهراً لبطن ونقض عرى الإسلام عروة عروة … ».

غطاء

(2)

فالحق أنَّ الحيل المؤدية إلى الحرام حرام، وأنَّ الوسيلة إلى المحرم مهما كانت وتحت أي اسم، وفي ظلال أي مصطلح فهي محرمة، وأنّ القصد غير المشروع الذي ظهر من خلال القرائن، والذي يؤدي بالفعل إلى المحرم؛ فهو حرام باطل، ويجعل العقد باطلاً، والقضاء الإسلامي يمكنه الوصول إلى ذلك من خلال الظروف والملابسات التي تحيط بالعقد؛ فعلى هذا لا يترتب على هذا الترجيح قلقلة التعامل واضطرابه؛ لأنَّنا لا نقول بالاعتماد على القصود التي لم تظهر، ولا الاعتماد على الأوهام والظنون، وأما لا بدَّ أن يكون هذا القصد السيّئ ظاهراً من خلال الشروط التي تدخل في العقد، ولا المساومة السابقة عامة، أو من طبيعة العقد والظروف التي تحيط به كما في عقدي التحليل والعينة والحيل المكشوفة الأخرى للوصول إلى المحرمات.

المطلب الثالث: كيفية التوازن بين القصد الباطن ودليله

يقصد بالتوازن هو رعاية كلّ من العبارة والقصد معاً بشكل يكون بينهما تناسق لا يغلب أحدهما على الآخر؛ وذلك لأنَّ إعطاء دور أكثر لأحدهما على حساب الآخر لا يؤدي إلى النتائج المرجوة من العدل واستقرار التعاقد، وكلامنا هنا أن يوجد الدليل - من اللفظ أو الفعل - مع أصل الرضا - بأن لا يكون صادراً ممن فقد الأهلية؛ فعلى أيهما يعتمد أكثر؟ هل يكون الاعتماد على اللفظ أو الفعل ما دام صادراً من عاقل بالغ، أم على الرضا الباطن والقصد، ويكون دور اللفظ أو الفعل مقتصراً على كونه دليلاً؟

-

هذا ما ثار فيه الخلاف والجدل بين الفقهاء بعد اتفاقهم على أن حلّ الأموال بالرضا الحقيقي الباطن، وليست نظرة المدارس الفقهية إلى هذه المسألة على سنن واحدة، ونحن نذكرها هنا بإيجاز، ثمَّ نتبعها بما نختاره في التوازن.

(1) أعلام الموقعين (159/ 3 - 176).

(2) وقد عقد الإمام البخاري كتاباً في صحيحه لحكم الحيل وذكر الأحاديث الكثيرة الدالة على تحريم الحيل المؤدية إلى الحرام، فيراجع: البخاري مع الفتح (26/ 12 - (351). ويراجع في القصود د. عبد الكريم زيدان مجموعة بحوث فقهية، ط، مؤسسة الرسالة ومكتبة القدس، 1396 هـ، ص 267.