النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣١٧نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
317
فالحنفية أكثر المذاهب اعتماداً على التعبير في هذا الباب حيث جعلوا الصيغة هي الركن الوحيد للعقود، فقد سبق أنهم حكموا بصحة طلاق المخطئ، والناسي، والمكره، ومن لا يفهم معنى العبارة ومن سبق لسانه دون أي قصد، ونكاحهم ونحوهما من العقود التي لا تقبل الفسخ في نظرهم، وما ذلك إلا لأن العبارة نفسها تحل محل القصد والاختيار)، في حين أن الجمهور حكموا ببطلان هذه العقود (2).
(1)
وأما العقود المالية فالقصد الباطني فيها ركن عند الجمهور في حين أنه شرط للصحة عند الحنفية، فمثلاً بيع المكره باطل عند الجمهور، في حين أنه فاسد عند الحنفية على تفصيل (3)، غير أَنَّ الذي يحقق التوازن القائم على العدل واستقرار التعاقد هو: أن يجعل القصد الباطني والرضا الحقيقي أساساً لكل العقود المالية والشخصية، وأن يكون دور اللفظ أو الفعل مقصوراً على كونه دليلاً، فعلى هذا يعتمد على هذا الدليل الظاهر من حيث المبدأ باعتباره دليلاً على وجود القصد الباطني من دون الحاجة للبحث عن الرضا الباطن، رعاية لاستقرار التعاقد وسرعة إجراءات العقد، وحتى لا يضار العاقدان بالتأخير والتماطل، وحتى لا يرهق القضاء بما لا يمكن الوصول إليه، فأحكام الدنيا تجري على الأسباب الظاهرة، والأمور التي يمكن للقضاء الوصول إليها.
ولكن هذا لا يعني ترك القصد الباطني وضربه بعرض الحائط، فإذا ثبت دليل واضح على عدم تحقق القصد الباطني كما في حالات الإكراه والغلط والتدليس ونحوها، فإن العقد يصبح باطلاً؛ لأن هذا الدليل ظهر أنه لم يكن دليلاً على الرضا، وإنما هو لدفع الأذى ونحوه، فالأدلة على اعتبار الرضا والقصد الحقيقي كثيرة كما ذكرناه، فلا يمكن إهمال الرضا والقصد في العقود، بل القصد ركن الكلام كما يقول عبد العزيز البخاري وصحة القول بالقصد ليكون القول باعتبار القصد ترجمة عما في الضمير، ودليلاً عليه فيبطل القول عند عدم القصد … ». وقال السيوطي وابن نجيم: «قال سيبويه والجمهور باشتراط القصد في الكلام، فلا يسمى كلاماً ما نطق به النائم والساهي … فما القيمة لما يتلفظ به اللسان إن لم يكن تعبيراً عما في الجنان؟ يقول النووي: «قال أصحابنا: لو قال بلسانه نويت التبرد، ونوى بقلبه رفع الحدث أو بالعكس، فالاعتبار بما في القلب بلا خلاف، ومثله ما قاله الشافعي والأصحاب لو نوى بقلبه حجّاً وجرى بلسانه عمرة، أو
6
(1) يراجع مبدأ الرضا في العقود (224/ 1).
(2) يراجع للتفصيل في هذه المسألة،
ص
238 - 206
(3) يراجع مبدأ الرضا في العقود (257/ 1 - 831، 837).
(4) كشف الأسرار (385/ 4) ويراجع: الروضة (44/ 7).
(5) الأشباه والنظار للسيوطي ص 55 والأشباه والنظائر لابن نجيم، ص 54.