النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣١٨

318

أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي

بالعكس انعقد ما في قلبه دون لسانه»). ويقول ابن عابدين: لا عبرة باللسان إن خالف القلب، ويقول الشاطبي: فالعمل إذا تعلّق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عُرّي عن القصد لم يتعلّق به شيء منها كفعل النائم والغافل، والمجنون … » (3).

فالقصد في الواقع روح الكلام والفعل وقوامهما فهما من دونه كالجسد بلا روح، فقد ذكر الشاطبي أدلة على وجوب اعتبار القصد، والدليل، إذ لا قوام لأحدهما من دون الآخر)، ويقول ابن القيم: «ومن تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم، ولم يكفر من قال من شدة فرحه براحلته بعد يأسه منها: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، فكيف يعتبر الألفاظ التي يقطع بأن مراد قائلها خلافها؟ … ، فعلم أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها من دون ظواهر ألفاظها وأفعالها. ومن لم يراع القصود في العقود وجرى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر، وأن يجوز له عصر العنب لكل أحد وإن ظهر له أن قصده الخمر، … وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها: إن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقرّبات والعبادات» (5)، ويقول أيضاً: «فدل على أَنَّ القصد روح العقد ومصححه ومبطله، فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ، فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تراد لأجلها، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد لنفسها كان هذا إلغاء لما يجب اعتباره واعتبارا لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدم اعتبار اللفظ الذي قد ظهر كل الظهور أَنَّ المراد خلافه» (6).

فلا يتناسب مع قواعد الشريعة الغراء التي تراعي الحل والحرمة والأغراض والمقاصد إقفال جانب القصد والرضا والإرادة، فلا بد على ضوئها من اعتبارها الأساس؛ لقوله تعالى: { … إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ … ) [النساء: 29]، فلا ينبغي القول على ضوئها إلا باعتبار القصود والنيات، وأنها لا تلزم الحكام المترتبة على العقود حتَّى يكون المتكلم بها قاصداً لها مريداً لموجباتها، كما أنه لا بد وان يكون قاصداً لكلامه مريداً له، فلا بد من إرادة اللفظ اختياراً وإرادة

(1) المجموع (317/ 1).

(2) حاشية ابن عابدين (415/ 1). (3) الموافقات (324/ 2).

(4) المصدر السابق (344/ 2 - 347).

(5) أعلام الموقعين (95/ 3 - 96).

(6) المرجع السابق (94/ 3).