النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣١٩319
|
نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
موجبة ومقتضاه، بل المقصود هو المعنى والأثر، وما اللفظ إلّا وسيلة لأداء هذا الدور، فلا ينبغي تفضيل الوسيلة على الأساس والهدف (1).
هو
فعلى هذا التوازن في نظر الراجح من الفقه الإسلامي - كمبدأ ـ يتسم باعتبار الرضا والقصد الأسس واعتبار التعبير دليلاً ظاهراً يقبل دون البحث عن القصد إلّا إذا ظهر ظهوراً واضحاً خلافه لمدلوله وللمقصد والرضا الحقيقي، فحينئذ يطرح؛ لأنه لم يكن حينئذ دليلاً صادقاً على مدلوله، بل هو دليل كاذب، وإذا لم تظهر هذه المخالفة فإن التعبير الذي عبر به العاقد ينفذ ويفسر على ضوء مقتضى اللغة والعرب، يقول العز بن عبد السلام اللفظ محمول على ما يدل عليه ظاهره في اللغة، أو عرف الشرع، أو عرف الاستعمال، ولا يحمل على الاحتمال الخفي، ما لم يقصد أو يقترن به دليل … » (2).
فعلى ضوء ما سبق أن العاقد إذا لم يقصد بكلامه أو فعله إنشاء العقد كما في حالات الجنون والنوم والإكراه والسكر والإغماء ونحو ذلك، فإن تعبيره حينئذ يكون باطلاً لا يترتب عليه شيء، كما هو الراجح الذي يعضده الدليل
(3)
وإن كان قاصداً للتكلم بعبارته فإما أن يكون عالماً بغاياتها متصوراً لها، أو لا يدري معانيها البتة، بل هي عنده كأصوات يلهج بها.
فإذا لم يكن عالماً بها ولا متصوراً لها لم تترتب عليها الأحكام الشرعية.
أمَّا إذا كان متصوّراً لمعانيها عالماً بمدلولها، فحينئذ إما أنه لم يقصد إلّا التكلم بها كما في حالة الهزل والسخرية والتقليد والتمثيل فهذه الحالة لا تؤثر في الطلاق والنكاح والعتاق والرجعة؛ لأنها حقوق تعالى، الجد والهزل فيها سواء، لكنها تؤثر في المعاملات، فإذا ثبت أنَّ العاقد كان فيها هازلاً لم ينعقد بيعه على الراجح الذي اخترناه، وكذلك الحكم في عقود التلجئة
الله
والمواضعة (العقود الصورية).
أما إذا كان العاقد قد قصد غير معناها؛ فإما أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا، فإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله: أنت طالق أنها طالق من زوج سابق لها، أو نحو ذلك مما يقبله اللفظ، فهذا لا يقبل في القضاء؛ لأن مبناه على الظاهر واللفظ الصريح لا يبحث عن النية فيه إلّا إذا أثبت بالقرائن ما رمى إليه.
(1) يقول ابن رجب في القواعد ص 31: «الألفاظ المعتبرة في العبادات والمعاملات منها ما يعتبر لفظه ومعناه وهو القرآن ..... ومنها ما يعتبر معناه دون لفظه كألفاظ عقد البيع وغيره من العقود وألفاظ الطلاق».
(2) قواعد الأحكام (102/ 2). (3) يراجع للمزيد: مبدأ الرضا في العقود، يقول ابن القيم: فالصواب أن أقوال هؤلاء كلها هدر كما دل عليه الكتاب والسنة،
والميزان وأقوال الصحابة».