النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٦326
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الشارع، فدور الإرادة في الفقه الإسلامي يقف عند إنشاء العقد فقط، فقد نص الفقهاء والأصوليون على أن العقود أسباب شرعية، وأن أحكامها وآثارها، شرعية، فقد قال البزدوي: «فشرع الله تعالى سبب اكتساب المال، وسبب اكتساب ما فيه كفاية لكل أحد وهو التجارة عن تراض، وقال أيضاً: «علل الشرع غير موجبة بذواتها، وإنما الموجب للأحكام وهو الله ل، لكن إيجابه لما كان غيباً
نسب الوجود إلى العلل فصارت موجبة في حق العباد بجعل صاحب الشرع إياها كذلك … ». ويقول القرافي: « … إن الله تعالى تفضل على عباده فجعل ما هو حق لهم بتسويغه وتملكه وتفضله لا ينقل فيه إلا برضاهم» (2)، ويقول أيضاً: فالأسباب القولية كالبيع والهبة والصدقة والقراض، وما هو في الشرع من الأقوال سبب انتقال الملك … والسبب التام إذا أذن فيه من قبل صاحب الشرع وجب أن يترتب عليه مسببه؛ لأنَّ وجود السبب المأذون فيه دون المسبب خلاف القواعد»، ويقول الشاطبي: «إن السبب غير فاعل بنفسه، إنما وقع المسبب عنده» (4)، ويقول الغزالي: «وأما قسم المعاملات فلحل الأموال والأبضاع وحرمتها أيضاً أسباب ظاهرة من نكاح وبيع، وطلاق وغيره، وهذا ظاهر، وإنما المقصود أن نصب الأسباب أسباباً للأحكام أيضاً حكم من الشرع»، ثم ذكر الغزالي أن الآثار الشرعية تحصل عند تحقق السبب، لا به بل بأمر من الشرع حيث يقول: «فإن السبب في الوضع عبارة عما يحصل الحكم عنده، لا به، ولكن هذا يحسن في العلل الشرعية؛ لأنها لا توجب الحكم لذاتها، بل بإيجاب الله تعالى، ولنصبه هذه الأسباب علامات لإظهار الحكم، فالعلل الشرعية في معنى العلامات المظهرة فشابهت ما يحصل الحكم عنده (5)، ويقول ابن النجار الحنبلي: اعلم أن السبب يوجد الحكم عنده، لا به، وهو الذي يضاف إليه الحاكم … ولا شك أن الأسباب معرفات، إذا الممكنات مستندة الله تعالى ابتداء عند أهل الحق، وبين المعرف الذي هو السبب، وبين الحكم الذي نيط به ارتباط ظاهر، فالإضافة إليه واضحة (6)، ويقول ابن تيمية: «إن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع، وملك البضع الثابت بالنكاح، نحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام، والشارع
إلى
أثبت الحكم لثبوت سبب منها».
(1) كشف الأسرار (1291/ 4 - 1292). (2) الفروق (1951).
(3) المصدر السابق 203/ 1 - 204).
(4) الموافقات (196/ 1). ط دار المعرفة، وتهذيب الفروق بهامش الفروق (163/ 3).
(5) المستصفى (93/ 1 - 94). ويراجع تخريج الفروع للزنجاني، ص 64، 87 188 وقواعد الأحكام لعز الدين بن عبد السلام (92/ 2). ويقول السبكي في الإبهاج (47/ 1) تعليقاً على قول البيضاوي: والنكاح والطلاق ونحوهما معرفات له أي أن العلل
الشرعية معرفات لا مؤثرات، وكأن الله تعالى قال: إذا تزوج بشروط كيت وكيت فاعلموا أني حللتها له .... ».
(6) شرح الكوكب المنير (445/ 1 - 449).
(7) فتاوى ابن تيمية (235/ 3)، ط، القاهرة سنة 1328 هـ.