النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧نظرية العقود من حيث الكليات والمقاصد والخصائص والآثار
أ. د. علي محيي الدين القره داغي
|
327
ومن هذا العرض يتبين لنا إجماع الفقه الإسلامي على أن العقود أسباب ظاهرة تترتب عند وجودها الآثار التي حكم الشارع بوجودها عند وجود أسبابها، فإذا تحقق العقد الصحيح تحقق عنده أثره بأمر الشارع، وهو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وبإذن منه بأن التراضي يكون سبباً لحل الأموال، وطريقاً لإنشاء الحقوق والواجبات حيث يقول تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث ـ التي سبق ذكرها ..
ثم إن هذا التكييف الفقهي نابع من الصبغة الدينية التي تسود الفقه الإسلامي، والتي ينبثق منها الاعتقاد بأن الأمور كلها إلى الله تعالى، ويترتب على هذه النزعة إرجاع الآثار كلها إلى الله تعالى، وأنه جعل لكل عقد أثره الخاص عند تحقق أركانه وشروطه، وأنه ليس بوسع العاقدين أن يتخلصا من الآثار التي وضعها الشارع لكل عقد، أو يعملا فيها تعديلاً وتغييراً وإن تراضيا، وأن كل ما يسعهما هو الإقدام في العقد وإنشاؤه، ومن ثمة تكون آثاره بوضع الشارع، ومن هنا قد يثور التساؤل حول كيفية التوفيق بين كون العقود رضائية في الفقه الإسلامي مع أن آثارها جعلية شرعية؟
للجواب عن ذلك فإن رضائية العقود تكمن في حرية الاختيار للعاقد في الإقدام عليها أم لا، وفي أن له الحرية في التعبير بكل ما يدل على رضاه، وعند ذلك ينتهي دوره حيث قام بالسبب الظاهري الذي ينشأ عنده الأثر الشرعي بأمر الله تعالى، يقول الشاطبي: «ومما يدل على هذا أيضاً أن السبب غير فاعل بنفسه، بل إنما وقع المسبب عنده لا به، فإذا تسبب المكلف فالله خالق
(1)
السبب والعبد مكتسب له، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96] … تنتهي إلى القطع … ».
لكن ذلك لا يعني أن العاقد يغفل عن المسببات، بل يقصدها حينما يقصد السبب. يقول الشاطبي: إن المسببات لو لم تقصد بالأسباب لم يكن وضعها على أنها أسباب، لكنها فرضت كذلك فهي ولا بد موضوعة على أنها أسباب، ولا تكون أسباباً إلا لمسببات، فواضع الأسباب قاصد لوقوع المسببات من جهتها، وإذا ثبت هذا وكانت الأسباب مقصودة الوضع للشارع لزم أن تكون المسببات كذلك، ثمّ قال: «إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب قصد ذلك المسبب، أو لا؛ لأنّه لما جعل مسبباً عنه في مجرى العادات عدّ كأنه فاعل له مباشرة … وتشهد لهذا قاعدة مجاري العادات، إذ أجرى فيها نسبة المسببات إلى أسبابها كنسبة الشبع إلى الطعام … وإذ كان هذا
(1) الشيخ محمد أبو زهرة، الملكية ونظرية العقد، ص 254.
(2) الموافقات (196/ 1 - 197). (3) المرجع السابق (195/ 1).