النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٣٢332
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ويدرك كلّ مطلع على فقه الغرب أن من أحدث نظرياته في القرن العشرين نظرية التعسف في استعمال الحق، ولهذه النظرية أساس في الشريعة الإسلامية لا يحتاج إلا للصياغة والبناء ليقوم على أركان قوية، ليواكب نظريات الفقه الحديث.
وقد أحدثت هذه الصيحة بالاعتراف بالحق دوياً في نفوس واضعي القوانين العربية، ولم يعد مقبولاً بحال ترك مصادرنا الفقهية الإسلامية، وأخذ قانون مترجم ترجمة حرفية عن القانون المدني الفرنسي أو غيره.
والمقصود أن منع صاحب الحق من إساءة استعمال حقه أمر ثابت مقرر في شرعة الإسلام، قبل أن يعرف الأوروبيون ما يسمى بنظرية التعسف في استعمال الحق بثلاثة عشر قرناً من الزمان. ذلك أن المصادر القانونية تشير إلى أنه لم يكن عندهم وجود لهذه النظرية قبل منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، فقد كان السائد حتى ذلك الوقت أنه لا يمكن أن يحاسب الشخص على تصرفه في حقه حتى لو أدى ذلك إلى الإضرار بالآخرين.
وقد كان ذلك مأخوذاً من مبدأ روماني شهير، يقرر أن من يمارس حقه لا يضر أحداً، وكانت سيادة ذلك المبدأ مرتبطة بشيوع المذهب الفردي الذي كان يُعنى أساساً بتحقيق مصلحة الفرد، ويرى أن مصلحة الجماعة تابعة لمصلحة الفرد، فإذا ما حققت مصلحة الفرد تحققت مصلحة الجماعة، أو ما كان يعبر عنه بنظرية اليد الخفية التي وضعها الاقتصادي آدم سميث، حيث كان أننا يرى حين نترك للفرد حريته المطلقة في العمل والحركة، فإنه وفي سبيل مصلحته الشخصية سوف يعمل من دون قصد منه على خدمة المجتمع ورقيه، فكأن هناك يداً خفية تحركه من دون أن يشعر لخدمة المجتمع.
غير أن هذا الوضع بدأ يتغير مع بداية القرن التاسع عشر الميلادي، ففي فرنسا بدأ القضاء يتنبه إلى قضية التعسف في استعمال الحق من خلال بعض القضايا المعروضة عليه، من دون أن يكون هناك في القانون أي نص يشير إليها.
وعلى سبيل المثال، ففي عام 1857 م قضت محكمة فرنسية بعدم جواز إقامة رجل لمدخنة فوق سطح منزله غرضه الوحيد منها حجب النور عن جاره، وعلّلت ذلك بأن استعمال الإنسان لحقه يجب أن يكون حده استيفاء مصلحة جدية مشروعة، لا تتعارض مع مبادئ الأخلاق والعدالة، ولا تلحق بالغير ضرراً جسيماً.
وبعد
القضاء جاء دور الفقه الذي حاول بدراسة أحكام القضاء أن يصل إلى نظرية متكاملة حول التعسف في استعمال الحق، ولم يكن ذلك أمراً سهلاً؛ فلئن كانت الحاجة البشرية والنظريات