النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٣٧

نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي

د. سعيد بن عبد الله

العبري

|

337

ثالثاً: الفرق بين التعسّف والتعدي أو المجاوزة:

1 - وحدة الوصف الشرعي لكل من التعسف والمجاوزة لا ينفي اختلاف حقيقة كل منهما وذلك

حق

أ

لما يأتي:

التعسّف يعتمد في الأصل وجود الحق، وهذا يستلزم مشروعية الفعل اللازم لاستعماله ابتداء؛ لأنَّ ما تفرع عن المشروع مشروع بالضرورة، لكن الاستعمال نفسه معيب من حيث الباعث عليه، أو من حيث يلزم عنه من نتيجة؛ حتى إذا تجرّد الفعل من الباعث غير الشرعي، أو لم تترتب عليه النتيجة غير المشروعة، عاد الفعل إلى وصفه من المشروعية. أما الفعل في مجاوزة الحق أو الاعتداء، فهو غير مشروع لعيب في ذاته؛ إنما لعدم استناده إلى أصلاً، أي محظور على كل حال إلا حال الضرورة، أو حال إباحته بسبب شرعي آخر من الأسباب

المبيحة للمجاوزة.

أحد يمنع

لا ب

-

استعمال حقه إلا قصد الإضرار بغيره، أو قصد تحقيق مصالح غير من مشروعة، أما المجاوزة لحدود الحق، فإنه يمنع ولو قصد إحداث نفع، كمن زرع أرض غيره، أو بنى فيها، أو غرس من دون إذنه تبرعاً.

ج - استعمال الحق يصبح غير مشروع إذا ترتب عليه ضرر فاحش بالغير، ولو كان من دون قصد، أي لا يمنع إلا لهذا القدر من الضرر، أما المجاوزة لحدود الحق فإنه يمنع مهما كان نوع الضرر أو قدره.

وهي فوارق حاسمة بين طبيعة كلّ من التعسّف والمجاوزة.

ومثاله من أوصى بما زاد على الثلث، يعتبر مجاوزاً حدود حقه الذي منحه إياه الشارع، وهو التصرّف في حدود الثلث، ففعله غير مشروع في الأصل، لأنه لا يستند إلى حق، والتعسّف فرع وجود الحق، فهو إذا متعدٍ لا متعسّف.

أما إذا أوصى بالثلث أو بما، دونه، وقصد بذلك مضارة الورثة مثلاً، وقامت الأدلة والقرائن على هذا القصد، اعتبر متعسّفاً؛ لأنَّ أصل الفعل مشروع، لاستناده إلى حق ثابت له في الشرع،

لحكمة قصدها الشارع من تقريره هذا الحق له، ولكن استعمله لا بقصد تحقيق تلك الحكمة، بل

للإضرار بالورثة.

فاتضح الفرق بين التعسّف والمجاوزة).

(1) الدريني النظريات الفقهية، ص 127 - 132.