النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٣٩

نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي

د. سعيد بن عبد الله

العبري

المبحث الثاني: أدلة النظرية

المطلب الأول: الأدلة من الكتاب

339

الدليل الأول:

قوله تعالى: ﴿وَالْوَلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلِّفُ نَفْسُ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَ وَلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233].

تدلّ هذه الآية من خلال منطوق لفظها أن الرضاع حق للأم، فهي أحق برضاعة ولدها من غيرها وذلك لكونها أحنّ وأرق على وليدها من الأجنبية، ويحذر الله تعالى كلا من الوالدين أن يضار أحدهما الآخر بسبب الولد فلا يحل للأم أن تمتنع عن إرضاع الولد إضراراً بأبيه ولا يحل للأب أن ينزع الولد منها مع رغبتها في إرضاعه ليغيظ أحدهما صاحبه بسبب الولد (1).

وهذا لكونه يحتمل وجهين كلاهما جائز في اللغة وهذا ما وضحه الإمام الرازي في تفسيره لَا تُضَار قال: وإنَّما احتمل الوجهين نظراً لحال الإدغام، أحدهما: أن يكون أصله لا تضارر بكسر الراء الأولى، وعلى هذا تكون المرأة هي الفاعلة للضرار والثاني: أن يكون أصله لا تضارر بفتح الراء الأولى فتكون المرأة هي المفعولة بها الإضرار.

وعلى الوجه الأول يكون المعنى: لا تفعل الأم الضرار بالأب بسبب إيصال الضرار إلى الولد، وذلك بأن تمنع المرأة عن إرضاعه مع أن الأب ما امتنع عليها في النفقة من الرزق والكسوة فتلقي الولد عليه، وعلى الوجه الثاني معناه لا تضارر أي لا يفعل الأب الضرار بالأم، فينتزع الولد منها مع رغبتها في إمساكه وشدة محبتها له، والمعنيان يرفعان إلى شيء واحد، وهو أن يغيظ أحدهما

(2)

صاحبه بسبب الولد فالآية إذا تنهى كلا من الوالدين أن يضار أحدهما بالآخر بسبب الولد في استعمال حقه على كلا الوجهين اللذين ذكرهما الإمام الرازي، حيث إنه لا يجوز للأب أن يستعمل حقه في ولايته على ابنه بمنع أمه من حقها في إرضاعه إضراراً بها، ولو كان إضراراً معنوياً؛ لأنَّه تعسّف واضح، ولأنه كما قال جمهور المفسرين في هذه الآية: لا يحل للأب أن يمنع الأم من ذلك مع رغبتها في ولا ينزع الولد منها إذا رضيت بالإرضاع وألفها الصبي، كما لا يجوز في ذات الوقت

الإرضاع

(3)

(1) الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ج 3، ص 131.

(2) المرجع السابق نفسه.

(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 3، ص 167.