النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٠340
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
التعسّف من الأم في استعمال حقها في الرضاعة، بأن تمتنع عن إرضاعه إضراراً بأبيه، بأن تطلب أكثر من أجر مثلها، فإن طلبت زيادة على أجر مثلها زيادة كثيرة ووجد الأب من يرضعه بأجرة المثل لم يلزم الأب إجابتها إلى ما طلبت؛ لأنها تقصد المضارة.
وملخص الآية أنها تفيد وجوب حماية كل من الأب والأم من أن يضر كل منهما بالآخر بسبب الولد باستعمال ما منح من حق وسيلة إلى هذا الإضرار، كما توجب حماية الولد أيضاً من الإضرار به وبذلك تعتبر الآية أصلاً من أصول نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه
(1)
الإسلامي"
الدليل الثاني:
قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِجُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ صِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
سبب نزول هذه الآية: كما أخرج ابن جرير وابن المنذر، أنَّ رجلاً من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق زوجته حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُها إِلَّا يومين أو ثلاثاً راجَعَها ثُمَّ طلّقها، فعل ذلك بِها حَتَّى مَضَتْ لَها تسعةُ أَشْهُرٍ يُضارُّها، فأنزل الله تعالى الآية.
المعنى: إذا طلَّقْتُمُ النِّساء فقارَبْنَ انْقِضَاءَ عِدَّتِهن فأمسكوهن بالرجعة؛ بما هو متعارف في الشرع من حسن العشرة، أوِ اتْرُكوهُنَّ حتَّى تنقضي عدتهن، ولا تُراجِعُوهُنَّ مُضَارِّين لَهُنَّ بِهَذِهِ الرجعة، فيتحقق بذلك عدوانكم عليهن.
وجه الدلالة من الآية: أن الإمساك حق للزوج، وقد ندب الله تعالى إلى استعماله على نحو مشروع وهو الإمساك مع المعاشرة الحسنة، ونهى عن استعماله على نحو غير مشروع، وهو استعماله على وجه المضارة على النحو الذي فعله ثابت بن يسار، وهذا بعينه هو التعسف في استعمال الحق؛ لأَنَّهُ اسْتعمال حقٌّ الإمساك على وَجْهِ غَيْرِ مَشروع.
الدليل الثالث:
قال الله تعالى بعد بيان نصيب الإخوة لأم من الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مضارٍ وَصِيَّةٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 12].
المعنى: لكل من الإخوة لأم نصيبه بعد أداء دين المورث، وإخراج وصيته، على أن يكون المورث قد أقر بالدين، وأوصى من غير ضرار، بورثته، بأن يكون الدين صحيحاً، والوصية لا ضرار فيها.
(1) الدريني، نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامية، ص 95.