النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٤١

نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي

د. سعيد بن عبد الله

العبري

|

341

وجه الدلالة: أنَّ الوصيَّة حق للمورث، وله استعماله على وجه مشروع بأن يكون فيه بر بالورثة، ولا يجوز استعماله على وجه غير مشروع بأن يكون إضراراً بالورثة؛ كأن بأكثر من الثلث، أو يوصي لأحد الورثة، فالوصية مع الإضرار هي بعينها التعسّف والإساءة في استعمال الحق.

يوصي

المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة

الدليل الأول:

ما رواه أبو سعيد الخدري له عن النبي قوله: (لا ضرر ولا ضرار).

وجه الدلالة من الحديث فقد أرسى هذا الحديث بوجيز عبارته أصلاً من أصول الدين، وهو إبعاد الضرر بجميع وجوهه وصوره، يقول الإمام الشوكاني معلقاً على هذا الحديث: «فإنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات»، حيث إنَّ ما جاء فيه مجملاً قد فصلته أحكام الشريعة بما ثبت من نصوص من القرآن الكريم أو من السنة أيضاً، كالنهي عن مضارة الأبوين ببعضهما بعضاً في شأن الرضاعة، والنهي عن المضارة في الوصية والنهي عن الإضرار في الرجعة، كما رأينا في مؤيدات النظرية من القرآن الكريم، وكذا في منع الاحتكار، ومنع بعض البيوع كتلقي الركبان وبيع حاضر، فكل هذه الأحكام تعود علّتها إلى الضرر المترتب والناشئ عليها، لذا فهذا الحديث يعد

(2)

أصلاً من أصول الدين).

وقد اختلف الفقهاء في المراد بالضرر والضرار، فقد قيل: الضرر أن يضر من لا يضره، والضرار أن يضر من قد أضرّ به على وجه غير جائز.

ويعرض الإمام الشوكاني للخلاف في الفرق بين اللفظين في المعنى، ويذكر أقوالاً منها: إن الضرار أن تضره بغير أن تنتفع والضرر أن تضره وتنتفع أنت به.

إن الضرار الجزاء على الضرر والضرر الابتداء (3).

غير أنه ومهما كان الخلاف فإن الحديث يشمل منع الضرر بجميع وجوهه وطرقه، سواء كان ناتجاً عن طريق المباشرة أو السبب مع التعدي بارتكاب الأفعال غير المشروعة، والأفعال المشروعة كذلك إذا ما ترتب عليها ضرر، فإن الحديث جاء مطلق اللفظ في الضرر بمنعه من دون بيان التصرف الذي نجم بسببه بكونه مشروعاً أو غير مشروع، مما يجعل هذا الحديث أصلا من الأصول التي تنبني عليها نظرية التعسّف

في

استعمال الحق.

(1) الشوكاني، نيل الأوطار، ج 5، ص 261. ابن رجب، جامع العلوم والحكم، ج 1، 302. وأخرجه مالك في الموطأ مرسلًا، ج 4، ص 1078.

(2) الشوكاني، نيل الأوطار، ج 5، ص.

261

(3) الشوكاني، المرجع السابق نفسه.