النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٤٢342
أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية النظرية الفقهية والنظام الفقهي
ونخلص إجمالاً إلى أن هذا الحديث صريح - من جهة كون اللفظ مطلق ـ في إرساء نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي في معيارها المادي المبني على نفي الضرر الناشئ عن الأفعال المشروعة والمباحة، أصلاً، والتي يحتمل معناها الحديث من خلال إطلاق لفظ الضرر
كما بينا.
الدليل الثاني:
الله
ما أخرج أحمد بسنده إلى عبد بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله المحلّل والمحلل له»). وجه الدلالة من الحديث: أنَّ الزواج عمل مشروع، والزواج لأجل التَّحليل عمل غير مشروع، فلما قصد بالمشروع غير المشروع نهى عنه الشارع، وحكم بفساده؛ لأنه تعاون على الإثم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (2).
الدليل الثالث:
وما أخرج البخاري عن النُّعمان بن بشير أنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها؛ كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من
فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً» (3).
وجه الدلالة من هذا الحديث من القضايا المهمة التي يثيرها هذا الحديث الشريف، قضية تعسف الإنسان في استعمال حقه، وهو ما يسمى في عرف أرباب القوانين الوضعية نظرية التعسّف في استعمال الحق.
ذلك أننا نلحظ أن الحديث يشير إلى أن القوم الذين أرادوا خرق السفينة، إنما كانوا يتصرّفون في ملكهم ونصيبهم، ولم يتعدوا إلى نصيب غيرهم، وذلك واضح من قولهم «لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً»، وعند ابن حبان: وقال الآخر: دعه فإنما يخرق مكانه» (4)، وفي رواية عند أحمد: «فقال بعضهم: إنما يخرق في نصيبه» (5).
والمقصود أن الذم قد لحق بهؤلاء القوم، مع أنهم كانوا يتصرّفون في حقهم، لكن لما كان
(1) سنن أبي داود، ج 2، 188.
(2) سورة المائدة، الآية 2.
(3) الجمع بين الصحيحين، ج 1، ص 310.
(4) المرجع السابق، ج 1، ص 532.
(5) المرجع السابق، ج 4، ص 273.