النظرية الفقهية والنظام الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٣٥سماحة الشيخ
أحمد مبلغي
الفقه والفقيه وظهور النظرية الفقهية
35
إن انتقاد الغزالي على الفقه الرائج كان متوجهاً إلى بعده الطريقي والاتجاهي، بمعنى أن المشكلة قبل أن تكون في الفقيه تكمن في الفقه نفسه، وهي أنه أصبح طريقاً نحو الدنيا، بدليل أنه فقد ما كان يجب أن يكون عليه من جنبة طريقية نحو الآخرة. وبتعبير آخر: إن مشكلة الفقه الرائج تكمن في أنه تحققت فيه حالة نقص، وهي عدم امتلاكه لقسم من المعرفة، وهي معرفة أسرار الدين الباطنة المنتهية بالإنسان إلى تربية أخروية.
وترى هذه القراءة أن الفقهاء الفاقدين لهذه المعرفة والتربية آل الأمر بهم إلى أن جعلوا الفقه وسيلة للوصول إلى المناصب الدنيوية، وأداة للاستفادة في تحقيق آمالهم وأغراضهم في هذه
الدنيا.
ومردّ هذه القراءة إلى كلمة واحدة، وهي لزوم التركيز على هذا الفقه نفسه، ولكن مع تزويده بمعرفة الأسرار الباطنة للدين بهدف إيجاد مسار أخروي له عبر هذه المعالجة.
ولو صح هذا التفسير، فانتقاد الغزالي هذا يندرج في النوع الثالث من النقود، والذي يحاول الضعف الارتباطي للفقه نفسه، حيث إن كلامه. مع بحسب هذا التفسير - يعني أن الفقه معرفة خاصة يفقدها، وهي معرفة ترتكز على إيجاد اتجاه أخروي للفقه، عبر
إبداء وجود تتحقق في
-
تفاعل هذه المعرفة مع المعرفة الموجودة فيه. التفسير الثاني: أنَّه أراد التركيز على تحقيق الدور التبصيري للفقه عبر ضمّ علم أسرار
الدين الباطنة إليه: وهذا التفسير يتضمن تحليلاً لكلامه بما يتلخص نقاطاً • ضرورة صيرورة الفقه بما يتمكن من تحقيق دوره الأساس، وهو إيجاد البصيرة الأخروية في
•
الإنسان.
هي:
الفقه لما لا يتمكن بمفرده من ذلك، فلا بد من أن يجتمع مع علم يكون اجتماعهما محققاً
لهذا الدور.
ليس هذا العلم إلا ما يمكن تسميته بعلم الآخرة.
•
تكمن المشكلة بحسب
هذه القراءة لا في الفقه ولا في الفقهاء، بل في فقدان علم آخر معه،
أو عدم حيويته، وهو علم الأسرار، فإذا ضمّ إلى الفقه، فيكون اجتماعهما محققاً لهذا الدور. إن علم الأسرار يتضمن معارف وهي معرفة أسرار العبادات، ومعرفة أحوال الدنيا وحقارتها، وقصر مدتها وانقطاع لذائذها و ....... ، ومعرفة النفس ووساوسها ودقائق آفاتها، ومعرفة مفسدات الأعمال، ومعرفة أحوال الآخرة من عذابها وثوابها وأهوالها، وحالات الإنسان فيها من عجزه بين يدي الله تعالى إلى غير ذلك.