النظرية الفقهية والنظام الفقهي: أعمال ندوة تطور العلوم الفقهية (الموسم العاشر) مجموعة باحثين

النظرية الفقهية والنظام الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٤٣

نظرية التعسّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي

د. سعيد بن عبد الله

العبري

|

343

استعمالهم لحقهم سيلحق ضرراً بغيرهم وجب منعهم، والأخذ على أيديهم، ومعنى ذلك أن حرية الإنسان في التصرف في حقه مقيدة بعدم الإضرار بالآخرين؛ لأن الذين في أسفل السفينة يستعملون نصيبهم وحقهم؛ لكن لما أرادوا أن يستعملوه على وجه غير مشروع؛ لأنه يضر الجماعة ضرراً عظيماً لا يتكافاً مصلحة شربهم، وترك إيذاء الفريق الأعلى، اعتبره الشارع منكراً أن يمنعوا عنه، وقد بين الحديث أن الأمر الجوهري هو مآل التصرف ونتائجه، لا القصد الحسن

مع

والنية ولو كانت حسنة.

الدليل الرابع:

يجب

عن أبي هريرة له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره». يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكتافكم.

وجه الدلالة من الحديث

يدل الحديث على منع المالك من التعسّف في استعمال حقه في التملك بمنع جاره من غرز الخشب في جداره؛ لأنه يكون مسيئاً في استعماله هذا الحق، ولأن منع المالك في هذه الحالة يعتبر قصداً للإضرار بالجار، فلا يجوز له التمسك بهذا الحق ما دام غرز الخشبة في جداره لا يترتب عليه أي ضرر، أو أن الضرر المترتب تافه يمكن إصلاحه وتلافيه، أو كان الضرر الناشئ أتفه من الضرر الذي يلحق الجار من جراء المنع؛ لأنه تعسف بيّن، أما إذا كان الضرر بيناً فاحشاً يُفضي الارتفاق بالجدار إلى الوهن أو سقوط الجدار، فلا يجوز حينئذ؛ لأن ذلك يتنافى وقصد الشارع من تقرير حق الملكية، والذي شرع أصلاً لمصلحة المالك، ولم يشرع ليكون مجلبة لأضرار فاحشة تعود عليه.

أي أنه إذا كان غرز الخشبة في الجدار يضر ضرراً فاحشاً بالجدار لم يجز حق الارتفاق في هذه الحالة ويصبح الجار في هذه متعسفاً في استعمال هذا الحق إذا أصر على غرز الخشبة في الجدار، وعليه فلا يمنع تعسّف بتعسف مثله، وعليه فإن الحديث بمنطوقه قد أباح حق الارتفاق بملك الغير لكنها إباحة مقيدة بأن لا يترتب عليها ضرر فاحش وبين - وهذا يفهم بطريق مفهوم المخالفة للحديث - أما إذا كان الضرر يسيراً هيناً، فلا يحل للمالك منع المرتفق بملكه بصريح الحديث: «لا يمنعن أحدكم … »، وإن تعسف ومنعه يجبر على تركه، وهذا يفهم من عبارة أبو هريرة، وعليه يمكن القول إن حق الارتفاق بملك الغير وإجبار المالك مرهون جوازه بشرطين

(1) الجمع بين الصحيحين، ج 3، ص 87.